الصفحة 29 من 87

فالعشيرة والقبيلة مثلا أصبحت في التجربة الإسلامية التاريخية كيانات اجتماعية طبيعية، تمارس دورها في التضامن الداخلي والدعوة وبناء المجتمع الجديد. ولكن حينما تتخلى الدولة عن مشروع الأمة الحضاري والسياسي، أو تتناقض خيارات الدولة مع خيارات الأمة، فإن كل العناوين الفرعية المتوفرة في الجسم الاجتماعي والسياسي للمسلمين تبدأ بالبروز القلق وممارسة أدوار مختلفة وخطيرة. وفي بعض الحقب والتجارب كان لعودة هؤلاء الناس إلى عناوينهم الفرعية تأثيرات سلبية خطيرة على وحدة الأمة والمجتمع الإسلامي؛ وذلك لعودة هؤلاء إلى المضامين الجاهلية أو السيئة وذات البعد العصبوي.

لذلك نستطيع القول بأن تكامل الأمة والدول في التجربة الإسلامية هو الكفيل بصهر كل العناوين الفرعية في بوتقة الأمة ومشروعاتها الحضارية. ودائما تبدأ محنة المسلم الكبرى حينما تبتعد الدولة ككيان سياسي وإداري عن الأمة وخياراتها، وتتأزم العلاقة بين المجتمع والدولة حينما تمارس الدولة عمليات التهميش والإقصاء لقوى الأمة الذاتية (الأهلية) ، وتسعى نحو إضعاف الأمة، حتى يتسنى لها القيام بكل شيء على مختلف الصعد دون حسيب أو رقيب؛ لذلك فإن حضور الأمة وحيويتها وجهادها واستمرار تطور قواها الذاتية هو الضمان الوحيد لعدم تغوّل الدولة وتحولها إلى كيان يختزل إمكانات الأمة في مؤسساته وأطره، ويحركها وفق مصالحه الضيقة. إننا مع الدولة القوية القادرة على الدفاع عن سيادة المسلمين وعزهم واستقلالهم، ولكن قوة الدولة الحقيقية لا تتأتى إلا من خلال ممارسة الأمة بمؤسساتها ومنابرها الأهلية والمدنية لدورها وحريتها.

حيوية الأمة وقوتها هي طريق صناعة الدولة القوية، وأي طريق يتجه إلى صناعة قوة الدولة بعيدًا عن هذا الخيار فإنه يؤدي بنا إلى الدخول في نفق مظلم من العلاقة المتوترة وذات الطابع الصراعي بين الدولة والأمة .. وهذا النفق المظلم هو الذي يعطل المجال الحضاري الإسلامي عن القيام بدوره الكوني.

مع اتساع دائرة انحراف السلطة العثمانية، وتضخم نزعة الاستبداد لديها، واشتداد استخدام العنف والقوة تجاه الآراء الحرة والأفكار الجديدة؛ لدرجة أن بعض المؤرخين أطلق على السلطان عبد الحميد اسم (السلطان الأحمر) كتعبير عن سياسة الشدة والغلظة والاستبداد التي ينتهجها. مع اتساع هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت