الصفحة 76 من 87

الأمة، والتي لا تلغي التعاقدية - كما قدمت - ولكن تغلفها وتحيط بها - تختلف تمامًا عن التعددية في الغرب، التي هي نتاج ومحصلة للصراع الذي يتجسد في شكل تعاقدية صرفة، خالية من القيم الثابتة أو المعايير الحاكمة والأطر المرجعية الملزمة من خارج الجماعة والبشر.

وإذا كانت خبرتنا الحضارية تعترف بتعددية دوائر الانتماء داخلها، إلا أن مبدأ التعددية كامن أيضًا في بنية الإسلام ذاته، فالإسلام لا يجعل"القداسة"سمة تلحق بالبشر أيًا كانوا، أو بالخبرة التاريخية أيًا كانت (فيما عدا خبرة الخلفاء الراشدين المهديين، كما ورد في الحديث:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .."، أو بالأفكار التي ينتجها البشر. وهو في هذا يجعل النقطة المركزية الحاكمة هي"الفكرة المجردة"غير المُشخِّصة(الأصول: قرآنًا وسنة) ، وهذا فيما أظن أحد الأسرار الأساسية وراء استمرار تعاليمه في الزمان والمكان، وقدرته على الاستجابة للحاجات المتطورة، والتحديات والمستجدات التي تطرأ في الواقع.

المسلمون وفقًا لهذا المنظور مطالبون - دائمًا وأبدًا - بتحقيق أو"تشخيص"تعاليم الإسلام في واقعهم الموضوعي، أي تحويل الفكرة المجردة إلى واقع مُشخِّص في أرض الواقع، وهذا يحمل تحديًا للمسلمين، يتطلب منهم استجابة تنطلق من"الفكرة المجردة"لتستجيب للواقع المعاش.

هذه الفكرة البدهية عند كل مسلم لها تداعيات وتأثير في جوانب كثيرة تتعلق بموضوع التعددية وغيره من الموضوعات والقضايا. فهذه الفكرة يمكن أن تقودنا إلى إدراك"التعددية الإسلامية"، أي تلك التعددية التي نشأت داخل الدائرة الإسلامية.

التعددية الإسلامية منشؤها مفهوم"الأمة": فهي التي تتفاعل مع"الفكرة المجردة"، عبر مخزونها الثقافي والاجتماعي، لتنشئ واقعًا تتعدد أشكاله، وتتباين ملامحه داخل الإطار الحاكم (الفكرة المجردة) ، التي تعطي لهذه التعددية قواسمها المشتركة، وسماتها المميزة عن أنواع التعدديات الأخرى.

وهكذا تنشأ التعددية - في الرؤية الإسلامية - في إطار الوحدة، وهكذا يمكن فهم تعدد الأنماط الحضارية التي أنتجتها أمة الإسلام عبر تاريخها، فاختلفت في الزمان والمكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت