الصفحة 28 من 87

الدولة والمشروعات السياسية التي تسعى عبر ترسانتها الإعلامية وإمكانياتها المالية وإرادة الهيمنة والقوة، إلى ابتلاع وتذويب كل المؤسسات والقوى التي تساهم في تنمية الأمة وتطوير أدائها في مختلف المجالات، بالاعتماد على إمكانات الأمة الذاتية الاجتماعية والحضارية. لذلك سيستمر الخلل يزيد من تأثيراته الخطيرة على واقع الأمة إذا لم تبذل الجهود في سبيل إعادة التوازن بين الدولة بمؤسساتها وضروراتها، والمجتمع بهياكله ومؤسساته وتطلعاته في التطوير والبناء. ولا ريب أن الخطوة الأولى في إطار إعادة التوازن بين الطرفين هي إعادة الاعتبار إلى المؤسسات الأهلية (مؤسسات الأمة) وتنمية أدوارها ووظائفها، وخلق الأنشطة الأهلية والمدنية التي تساهم في تمدين الواقع الاجتماعي، وجعله مؤهلا من الناحية النفسية والعقلية والواقعية لممارسة دوره والقيام بواجباته الكبرى في الوجود. لذلك يبدو أن المدخل الفعال لمناقشة هذه المسائل، هو جدليات الأمة والدولة في التجربة الإسلامية التاريخية.

من الطبيعي أن تتمايز بنية المجتمع عن بنية الدولة؛ إذ لكل طرف أدواره ومقتضيات مختلفة عن الآخر، إلا أنه من غير الطبيعي أن تتناقض الدولة ومشروعاتها مع أهداف ومشروعات الأمة؛ لأن هذا التناقض هو الفجوة الكبرى التي حدثت في التجربة الإسلامية التاريخية، ودخلت واستوطنت من خلالها الأزمات والمآزق والمعضلات والتداعيات التي لا يزال واقعنا يعاني من آثارها وتأثيرها .. فالأزمة الحقيقية والمعضلة الكبرى بدأت منذ تناقضت مشروعات الدولة مع مشروعات الأمة، وأصبحت الدولة تمارس كل جبروتها في سبيل إقصاء الأمة بنخبها وعلمائها واهتماماتها عن مسرح الحياة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي.

فالاستبداد السياسي الذي تمارسه الدولة أخذ طريقه للتوسع والانتشار على قاعدة تهميش الأمة وإقصائها عن الفعل السياسي والحضاري؛ فمراقبة الأمة ومحاسبتها للحكام وحضورها الدائم على مسرح الأحداث كان يحول دون تغوّل الدولة واعتمادها المطلق على القهر والبطش والاستبداد في الإدارة والحكم.

وحين تتأزم العلاقة بين الدولة والأمة تبرز على السطح كل العناوين الفرعية التي أعطى لها الإسلام مضمونا جديدا، أو حالت قيمه ومبادئه دون التعصب الأعمى لتلك العناوين الفرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت