الصفحة 49 من 87

العصر ومقولات أصحابه من أدعياء وخبراء، ومن ثم تيسرت لنا آفاق بكر جاءت بفتوحات في مجالات معرفية جديدة ظُن أنها مغلقة دوننا. وبدأ الترحال ... على نحو ما سبق، وهو ما يمكن أن ننعته بالمستوى الأول من ابتعاث الوعي المنهاجي. ففي هذا المستوى بدأنا بالنظر من موقع التجريد بالتأمل في طبيعة العلاقة بين العقيدة والجماعة، وبين امتدادات العقيدة في الممارسة وأثرها في آليات تشكل الجماعة وتواصلها، ومستويات ومراتب هذا التواصل، وقنوات الاستبطان والاستظهار، وغير ذلك.

وبالرجوع إلى نشأة الجماعة المسلمة الأولى وجدنا أنها إضافة إلى سمات النسبية والمطلق، تجمع بين سمات المثالية والواقعية على نحو متفرد، حتى إننا يمكن أن نؤصل لنسق"المثالية الواقعية"ضمن خصائصها التكوينية. فالجماعة السياسية الأولى التي عرفها الكيان الاجتماعي الحضاري في الإسلام كانت معلومة المنشأ ومثلها الأعلى ملموس في مقارباتها للواقع المعيش. فلم يكن الفكر السياسي الإسلامي في حاجة لنسج الأساطير أو بث الخيالات حول"المدينة الفاضلة"دأب الفكر السياسي الغربي -قديمه وحديثه سواء- وهو يؤصل للالتزام السياسي وشرعية الدولة / السلطة.

فإذا كان مفكرو العقد الاجتماعي من أمثال هوبز وولوك وروسو قد لجئوا إلى أسطورة تأسيسية في هذا المجال، فقد شهدت الأمة فعلا وقائع تأسيسية ومدونات سجلها التاريخ ووثقها شهود عيان، سواء كان ذلك في صحيفة المدينة أو وقائع المبايعة أو عهود الأمان، فجاءت الروابط العاقدة والملزمة في الجماعة الأمة خير نموذج لنسق من المثالية الواقعية. ولم تكن محكومة بما يمكن أن يسمى بالعقد الاجتماعي ولم تكن محكومة بالثنائيات، بل بمنطق الوسطية التي تجمع المتناثرات وتجمع المشترك وتجمع الأبعاد المختلفة للحياة، هذه الوسطية التي لا تعني مكانًا وسطًا بين أطراف متباعدة، ولا تعني وسطًا حسابيًّا تطرح من قيمة وتضيف إلى أخرى لاستخلاص فضيلة بين متفاضلات، ولكنها الوسطية التي تعرّف من منطلق التوحيد حيث يتكامل المثال والقيم والفكر والواقع المعيش الذي تتنزل القيم والفكر والمثال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت