وليس معنى ما تقدم أن تكون كل من الأمة والسلطة في حالة عداء وصدام؛ فالخبرة الحضارية والتاريخية الإسلامية قدمت لنا نموذجا متميزا في هذا الصدد؛ فالبنى الاجتماعية والمؤسسات المختلفة التي أنشأتها أمة الإسلام في تفاعلها عبر الزمان والمكان مستهدفة تحقيق ذاتيتها وتطبيق الشرع، هذه المؤسسات وتلك البنى لم تقم متعارضة إزاء مؤسسات الدولة وسلطتها المركزية؛ بل قامت بكثير من الوظائف التي نعترف بها للدولة الحديثة، ونشأت -نتاج هذه الخبرة- علاقة متميزة بين مؤسسات الأمة وبين سلطة الدولة ذات شقين: فهي تعبير عن استقلال الأمة وقوتها إزاء السلطة، ولكنها في نفس الوقت لا تعمل مستقلة أو منفصلة عنها، بل في تضافر وتكامل حقيقي معها.
الأمة وسلطانها في التصور الإسلامي هي أساس النظام السياسي والتشريعي، بل وأساس النظام الرقابي أيضا (الرقابة على السلطة) . إن سند السلطة السياسية في النظام السياسي الإسلامي هو الأمة، والسلطة تستمد سلطاتها ووجودها من إرادة الأمة، وجميع الولايات والسلطات مصدرها الأمة، وسلطان الأمة مستمد من المبدأ الشرعي الذي يوجب عليها -على الأمة- إقامة المؤسسات اللازمة لتطبيق الشريعة.
إن أساس رقابة الأمة على سلطات الحكم ليس مبعثه كونها سند السلطة السياسية ومنشئتها، ولكنها -أي الرقابة- تستند أيضا إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعد هدفه الأول ومقصده الأساسي هو أن تتولى الجماعة -كشخصية معنوية- محاسبة الحكام ومنع انحرافهم وظلمهم، فالأمة تختار الحكام؛ وهذا الاختيار يعطيها الحق في أن تقيد سلطتهم بالقيود التي تراها ضرورية لتحقيق مقصود الاستخلاف وجوهر العمران، كما يعطيها الحق في مراقبتهم ومحاسبتهم في عملهم.
وهذه الرقابة باستنادها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تنتهي بانتهاء انتخاب أو بيعة القائمين على أمر السلطة، وإنما تستمر بعد انتخابهم وفي أثناء ولايتهم، فواجب النصح لولاة الأمور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يرتبط بزمن معين أو وقت محدد، وإنما هو فرض يستمر وقته ما دام هناك مقتضى له.