ورغم كل المحاولات التي بذلت لاستنبات مشروعية تاريخية وأيديولوجية للكيانات القطرية العربية المستجدة من خلال استدعاء الأدبيات القومية الغربية، ومن خلال النبش في السجلات التاريخية القديمة. ومع ذلك فقد ظل قطاع واسع من الرعايا ينظر إلى هذه الدول بعين الريبة والشك، ولم ير فيها في أحسن الحالات سوى محطة عبور إلى ما بعدها" (2) ."
وأضحت المشكلة الأساسية التي تواجه الدولة الوطنية في العالم العربي والإسلامي هي غياب مفهوم الأمة الشامل عن فضائها ومحيطها السياسي، وعدم قدرتها على تجاوز الثقل المعنوي والثقافي لمشروع الوحدة القومية أو الإسلامية.
لم يأتِ مفهوم الأمة في القواميس اللغوية بمعنى واحد، وإنما بمعانٍ متعددة، حتى ذكر ابن الأنباري في كتابه (الزاهر في معاني كلمات الناس) (3) أن الأمة تنقسم في كلام العرب إلى ثمانية أقسام منها: الجماعة قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ} (القصص: 23) . والزمان قال تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} (هود: 8) . والدين قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} (الزخرف: 23) .
وأضافت القواميس اللغوية الأخرى أيضًا معاني وأوصافًا أخرى لمفهوم الأمة، فهي تعني لدى ابن منظور الطريق والسبيل، ويعرّفها عبد القاهر البغدادي بأنها:"كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهله بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي" (4) .
فالأمة محورها الأساسي هو الدين، والجماعة البشرية التي تتمحور حول دين وعقيدة، وتسعى وتعمل على تحويل هذا الدين أو تلك العقيدة إلى وقائع وحقائق، هذه الجماعة البشرية يطلق عليها مصطلح (الأمة) .
ولقد حاولت الدول المنحرفة والاستبدادية في التجربة الإسلامية التاريخية أن تغيّر من محور الأمة وقطبها الأساسي، فجاءت دول سعت أن تكون القرابة هي محور الجماعة، وأخرى العنصر العربي وهكذا؛ لذلك نجد في التاريخ أنه كانت هناك صراعات وانقسامات على هذه القواعد، فحاول البعض التمييز في العطاء، وإعطاء الفرص والمناصب السياسية المهمة