الصفحة 44 من 87

منهاج يستطيع أن يتعامل مع كل من القيم والمعنويات، ومجال"الجوانيات"إن صح التعبير، إضافة إلى أبعاد الزمان والمكان التي تؤسس للنسبية والسببية في توالي الظواهر وتعاقب الأحداث.

وقد رأيت من خلال الدراسة والمعايشة لواقع مستشكل من خلال رؤية متخصصة، أننا إزاء ظاهرة مركبة، متعددة الأبعاد متداخلة المستويات، وأن طبيعة الأمة في الإسلام إنما تفرض إعادة النظر في المنهج؛ فلا يمكن دراسة وفهم خصوصيتها إلا من خلال منظور يجمع في رؤيته ومقارباته بين أبعاد شتى لا تتيحها الأطر والمناهج التي تدور في رحى الوضعية الراهنة؛ فالمنظور الأكاديمي المطلوب (والمطروح) لا بد أن يكون قادرًا على الاستجابة والتعامل المنهجي مع أبعاد شتى للظاهرة الاجتماعية العمرانية التي تنطوي على أبعاد وجودية إنسانية تاريخية حضارية يتداخل فيها الخارج والداخل، والظاهر والباطن، والبراني والجواني.

وواضح أن التعامل من خلال المنظور البديل مع الظواهر الاجتماعية والعمرانية يكون أكثر واقعية؛ لأنه على وعي بالطبيعة المعقدة والمركبة لتلك الظواهر، ولكن يبقى السؤال المنهاجي حول أدوات التناول والاقتراب على النحو الذي يحقق التواؤم بين أداة البحث وموضوعه وهو ما درجنا على تسميته بالتكافؤ المنهاجي.

وعلى هذا المنوال كانت من أولى التحديات التي واجهت الباحث عند تناول الظاهرة الاجتماعية العمرانية من المنظور البديل الذي أخذت تتبلور معالمه منذ حين، هو مقتضيات النظر في العلاقة بين النسبي والمطلق فيها، وبين عناصر الاستمرارية ومكامن التغيير، أو كما أسماه البعض الثابت والمتحول.

الأمة تجمع بين عناصر تشترك فيها مع غيرها من الأمم والجماعات السياسية، وبين عناصر تميزها أو تتفرد بها؛ بحكم تمايز النشأة أو قاعدة التأسيس والتكوين أو بحكم ثوابت كامنة أو وظيفة حضارية مستبطنة. والمهم الإشارة إلى وجود مثل هذا التمييز وما يترتب عليه من آثار منهجية وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت