وقد جمع المحدث الكبير الشيخ محمد يحيى سالم عِزّان روايات حديث"افتراق الأمة"فوجد كما وجدنا أن ألفاظه شديدة الاختلاف، وأن تلك الاختلافات في نقل ألفاظه كانت ذات تأثير كبير في اختلاف معانيه.
وحين نستعرض ما جمع من روايات الحديث يُلاحظ أن الروايات التي حظيت بتصحيح بعض المحدثين وتخريجهم جاءت بألفاظ تخبر بأن هذه الأمة سوف تتعرض إلى (داء الاختلاف) كما عرض ذلك الداء لأمم خلت من قبلها. ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين يحدث الأمة بمثل هذا الحديث فإنه يعظها، ويقوم بعمليات تحذير مسبقة لتحصينها من ممارسة ما قد يؤدي بها إلى الفرقة والاختلاف المدمرين لكيانات الأمم. فهو ليس كما فهم الكثيرون بأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يخبر بذلك باعتباره نبوءة أو كما سموا مثله (أعلام النبوة) فيكون بمثابة قدر مقدور لا حيلة للأمة بدفعه ولا بد من وقوعه. بل هو وعظ وتحذير من الوقوع في مستنقع الاختلاف.
فإذا وقع الاختلاف بالرغم من جميع الاحتياطات التي اتخذتها الأمة، فهنا لا بد من الوقوف في وجه الباغي حتى يثوب إلى رشده، إذ إن هذا الحديث بذلك -وحده- يصبح منسجما مع قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9) .
وبذلك تكون الأحاديث الصحيحة واردة أساسا على تحذير المؤمنين ووعظهم أن يسقطوا في براثن الاختلاف؛ فإن حدث ووقع ذلك بينهم فالمخرج منه ما ذكره الله -تبارك وتعالى- من الاحتكام إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته، وبعد وفاته إلى الكتاب الكريم وبيانه من السنة.
أما ذلك الفهم الذي أدى إلى قيام"علم الملل والنحل والفرق"فإنه نظر إلى هذه الأحاديث على أنها إخبار من الصادق الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- بوقوع ذلك الافتراق حتما. ونظرا إلى وجوب تصديق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل ما يخبر به، فقد اعتبروا أن الافتراق والاختلاف والتنازع قدر حتم لا راد له، وما علينا إلا أن نستسلم له ونرضخ ونتنازع من هي الفرقة الناجية والهالكة. وهذا ما لا يمكن أن