كان حجمه ما رآه بنو إسرائيل في العجل، إذ قال لهم السامري:"هذا إلهكم وإله موسى"، فالله -تبارك وتعالى- قال: {ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: 32) ، وتبرأ منهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تبرأ منهم آله وأصحابه {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام:159) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على منع التفرق، وجعله مقرونا بالشرك.
وقوله تعالى:"شيعا"أي جماعات قد فارق بعضها البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك. فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، وحبل الله واحد، فلا بد أن يكون المسلمون -شيعة وسنة، وعربا وكردا وتركمانا وغيرهم، وأهل مدينة وأهل بادية- يدا واحدة، وقلبا مؤتلفا واحدا. فإن ما حدث في الماضي ما كان ليحدث لولا تفرق كلمة أبناء الشعب، واختلاف قلوبهم.
ولعله قد تبين من دراستنا لحديث الفرق أنه لا أحد يستطيع تحديد الفرقة الناجية غير الله تبارك وتعالى. على أن النجاة والهلاك في الآخرة والجزاء والعقاب والثواب كل أولئك أمور تتعلق بالفرد من حيث هو فرد {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يُرَى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى} (النجم: 39 - 41) .
ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نادى في آل بيته، ومنهم بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء عليها سلام الله وبركاته: (يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا) فكيف تغني الطائفة أو الفئة أو الحزب عن المنتمين إليها، أحسنوا أم أساءوا. إنه لا يغني أحد عن أحد. فليس لأهل السنة أن يفاخروا الشيعة والمذاهب الأخرى بحجة أنهم"الفرقة الناجية". وليس للشيعة أن يفعلوا ذلك بحجة أنهم شيعة آل البيت وأنصارهم. فالمسلمون كلهم في حب آل البيت والانتصار إليهم سواء إلا الهالكين. وليس ذلك للإباضية ولا للزيدية ولا للسلفية، ليس لأحد من هذه المذاهب أن يدعي أن طائفته هي"الفرقة الناجية".
فالحقيقة كنز مدفون لا يعلم أبعاده -كلها- ولا يحيط بها إلا الله -تبارك وتعالى- والبشر في محاولة مقاربتها والوصول إليها سواء، كلٌّ وجهده وتوفيق الله له. فعلى الجميع أن يتمسكوا ويستعصموا بكتاب الله وحبله