الصفحة 113 من 202

الفصل الثالث

الاتجاهات السياقية في النقد

كان النقد في مرحلته الكلاسيكية نقدًا معياريًا، يعتمد على قواعد محددة لا يمكن أن يحيد عنها، منها: قاعدة نقاء النوع الأدبي، وضرورة وحدة الزمان والمكان ووحدة الحدث في الدراما، وقد سادت تلك القواعد في النقد الأوربي طوال الحقبة التي انتشرت فيها مبادئ الكلاسية الجديدة إبّان القرون: السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، ونظرًا إلى إعتماد ذلك النقد على القواعد المقررة سلفًا لم يعن بالتجديد في الأدب، لأن في التجديد خروجًا على تلك القواعد والمعايير.

وما إن بدأت الرومانسية في الأدب الأوربي بالظهور حتى رافقها نقد آخر بعيد عن النقد المعياري الذي رافق الكلاسية، فظهرت تيارات فكرية كثيرة أدت إلى ظهور المناهج السياقية: التاريخية منها والاجتماعية والنفسية.

شاع النقد السياقي في منتصف القرن التاسع عشر في أوربا، وإن كانت جذوره تمتد إلى زمن أبعد من ذلك، وفكرة السياق على ما يرى ستولنيتز:"من أقوى أفكار القرن التاسع عشر تأصّلًا وأعظمها تأثيرًا، والمقصود بها هو أن الشيء لا يمكن أن يفهم منعزلًا، وإنما يفهم فقط بدراسة أسبابه ونتائجه وعلاقاته المتبادلة" (1) .

ولا شك في أن واحدًا من أسباب ظهور المناهج السياقية في موطنها الأصلي هو الرغبة في التخلص من الأحكام الذاتية يجعل النقد علمًا أو متشبّهًا بالعلم، استهداءً بمنطق العلوم الوضعية الصرف، وعلى هذا الأساس كانت المناهج التاريخية والاجتماعية والنفسية تمضي قدمًا لدراسة الأدب والفن بتبيّن العلاقة بين المبدع ومجتمعه وتاريخه وظروفه النفسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت