الصفحة 85 من 202

ونعني بها قضية دراسة شعر أولئك الشعراء، التي يمكن أن تكون هي الشاهد الأول على مايميّز شعراء جيل مامن غيرهم.

إن التنظير لقضية الأجيال الشعرية بدأ تاريخيًا بظهور شعراء الستينات الذين أرادوا إعلان تميّزهم من رواد قصيدة التفعيلة، ثم تحول ذلك إلى قضية يتابعها شعراء لاحقون لشعراء الستينات، حتى انتقلت في قسم من الكتابات النقدية إلى تنظير لأجيال أخرى سبقت جيل الستينات.

ونرى أن تلك القضية ماكان لها أن تولى تلك الأهمية التي أوليت لها لأنها لم تستخدم في مجال نظرية الأدب للكشف عن سمات فنية عند شعراء محددين، وإنما ظلت تدور في مساحة من مساحات تاريخ الأدب، وإن زعم نقاد وأدباء أنهم يدورون في مجال آخر غير مجال ذلك التاريخ.

ولأن تلك القضية ارتبطت بتاريخ معاصر قريب، فقد حملت معها أسوأ ما يمكن أن ينتجه بحث تاريخي قريب من زمن الأحداث المبحوثة، ونعني به فقدان الموضوعية والتعامل مع الحدث بانفعال وبقلة رويّة.

وكان يمكن للنقد أن يفيد من وجود ظاهرة الأجيال الشعرية على نحو آخر، فيقوم بدراسة قصائد الشعراء عند كل جيل، دراسة فنية يستخلص منها السمات المشتركة، ولربما قام نقاد آخرون بدراسات مقارنة لقصائد أجيال متباينة، ولو أفاد النقد من تلك الظاهرة على النحو الذي أشرنا إليه لكان قد وفّر للباحثين دراسات لا غنى عنها، تجنبنا المزالق التي أنجرّ إليها النقاد ومنها: فقدان الموضوعية واطلاق الأحكام بلا أدلة ولا براهين.

"2"الحداثة

كان يؤمل لقضية الأجيال الشعرية أن تثير، على المستوى النظري، عددًا من الأفكار المتعلقة بتطور المفاهيم النقدية بين جيل وآخر، ومن هذه المفاهيم مفهوم الحداثة، لأن الأجيال الشعرية، على افتراض تباين الواحد منها عن الآخر في التفاصيل تشترك مع غيرها في أنها تنضوي تحت لواء حركة التجديد التي ظهرت في العراق على يد السياب ونازك الملائكة على نحو خاص.

ولكنّ أيًا من الجيلين اللذين ظهرا لم يعرض في بداءات ظهوره مثل هذا المفهوم، صحيح أن البيان الشعري حاول تلمس طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء تقوم على أساس النظر إلى ذات الشاعر عبر الاستبطان الحلمي وعلى أساس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت