ومن بين تلك المفاهيم والقضايا التي ناقشتها تلك المقالات اخترنا عددًا منها استنادًا إلى كثرة ترددها في المقالات موضوع البحث وتبعًا لأهميتها في ترسيخ متن نظري ونقدي يساعد على جلاء صورة النقد الأدبي الحديث في العراق، وتلك المفاهيم هي: الأجيال الشعرية، الحداثة، قصيدة النثر، الشعرية، اللغة الشعرية.
ظهرت قضية الأجيال الشعرية في ساحة النقد الأدبي الحديث في العراق، أواخر العقد السابع من هذا القرن، مع ظهور ماسمي (جيل الستينات) ، الذي أصدر عدد من ممثليه مجلة للشعر هي مجلة: (شعر 69) ضمنوها بيانًا يُنظّر للشعر العربي، وركّز ذلك البيان اهتمامه على عالم الشاعر المصوغ داخل حلم، وإن طريقة الوصول إلى الحلم هي دحر سيطرة العقل الواعي وتخديره، وهذا لايمنع الشاعر من أن يكون صوت عصره، ولكن مهمته ليست فوتوغرافية (1) .
وكان ممثلو شعر الستينات، في مجمل دعوتهم التنظيرية، يسعون إلى التميز من رواد شعر التفعيلة، إحساسًا منهم بأن الرواد قد فتحوا طريقًا للتجديد فنالوا قصب السبق بذلك، وما على شعراء الستينات إذا ماأرادوا إثبات أهليتهم وجدارتهم إلاّ أن يكشفوا عن التباين بين شعرهم وشعر الرواد، وكان (البيان الشعري) الذي أصدروه إيذانًا بالإعلان عن رؤاهم الشعرية المباينة لرؤى غيرهم من شعراء التجديد.
ومالبثت قضية الأجيال الشعرية أن أخذت حيّزًا من الاهتمام لدى النقاد والشعراء على السواء، حتى بدأنا نقرأ الكثير من المقالات النقدية التي تتحدث عن جيل الخمسينات وجيل الستينات وجيل السبعينات، وانقسم النقاد والشعراء فريقين: فريق يؤيد تلك التسميات وفريق يناهضها، وأسفر هذا الانقسام عن آراء ووجهات نظر متباينة بين الفريقين.
تحدّث خالد علي مصطفى (2) في واحدة من مقالاته عن خصائص عامة تبرز في شعر الستينات تعطي لحركة الشعر العربي الحديث مدى غنيًا يضاف إلى ما أبدعه جيل الرواد، ومن هذه الخصائص: مراجعة الشاعر نفسه ونتاجه لتكون لديه القدرة على مواصلة خط تطوره، ومحاولة إلغاء البعد الواحد في القصيدة لتكون قابلة للانفتاح على بصيرة القارئ، وإن تركيب القصيدة الستينية ماعاد بسيطًا واضحًا، وإنما أصبح مجالًا واسعًا لاكتشاف الدلالات داخل القصيدة