الصفحة 119 من 202

آخران. (13)

ولا ريب في أن أبرز سمات تلك الكتابات النقدية عدم وضوحها المنهجي، ويتجلى عدم الوضوح هذا في أمرين: الأول عدم إشارة النقاد إلى مناهجهم النقدية، والمرجح أن سبب ذلك عدم معرفتهم بالمناهج النقدية أصلًا، والثاني: اكتفاؤهم بتناول التاريخ الشخصي للشعراء أو حياتهم الاجتماعية، من غير أن يربطوا ذلك بأدبهم إلاّ على سبيل الاستشهاد ليس غير.

إن تلك المقالات النقدية المعنية بالتاريخ لا يمكن أن تكون نقدًا تاريخيًا بسبب عدم تفريق أصحابها بين حقلي التاريخ والنقد الأدبي، وهو ما حذّر منه علي جواد الطاهر عندما قال عن المنهج التاريخي إنه:"منهج حساس إذا فقد فيه صاحبه توازنه زلت به قدمه ... وصار مؤرخًا أو جماعة (14) ، وكذلك فعل أولئك النقاد الثلاثة الذين أشرنا إلى مقالاتهم."

من الواضح أن العناية بمضامين القصائد تؤلف واحدة من سمات النقد السياقي، لأن الناقد السياقي يبحث في موضوعات القصائد وأفكارها قبل أن يبحث في الجوانب الفنية مما يتعلق ببناء القصيدة وصورها وعلاقاتها اللفظية، غير أن من تحدثنا عنهم من نقاد في البحث السابق ما كانوا يوجهون عنايتهم لمضامين القصائد، وإنما كانوا يتحدثون عن موضوعات اختاروها هم ليجدوا شواهد عليها من شعر الشعراء.

إنهم، شأنهم في ذلك شأن النقاد التقليديين يبحثون عن (الغرض) الشعري، في حين أن البحث عن مضمون القصيدة يباين مفهوم البحث عن غرضها الشعري، فيما نرى، لأن الغرض موضوع جاهز، في حين أن القراءة النقدية يمكن أن تكتشف مضامين أخرى وبذلك وجدنا النقاد الثلاثة السابقين يظهرون رؤية نقدية تقليدية جديدة، يعكسها ميلهم إلى التشبث بالتاريخ المعروف، وليس التاريخ المكتشف منهم.

وعلى عكس أولئك النقاد المشار إليهم نجد نقادًا آخرين يوجهون عنايتهم إلى مضامين قصائد الشعراء أنفسهم، مكتشفين تلك المضامين من خلال الشعر وليس من خلال محددات تاريخية واجتماعية مفروضة عليهم، ومن هؤلاء النقاد مولود أحمد الصالح (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت