إذا كانت القضية الجوهرية لدى النقاد السياقين، كما رأينا ذلك من قبل، هي مضامين القصائد وما يتبع تلك المضامين من اهتمام بسياقاتها الاجتماعية والتاريخية والنفسية، فلا يعني ذلك بالضرورة أن النقد النصّي يهمل المضامين، لأن القصيدة تتكون من مجموعة عناصر متآلفة هي: اللغة وما يؤلف بين مفرداتها من علاقات، والموسيقا والصور والأفكار المتضمنة فيها، ولا بد من أن يقود استقراء لغة القصيدة وعلاقاتها التركيبية، وتعرّف أنماط بنائها إلى الدلالة.
ويدرس النقاد النصّيون، عادة، العناصر الصوتية والعناصر الدلالية في الوقت نفسه، وتتكون العناصر الصوتية من الحروف والألفاظ والموسيقا وكيفية تركيبها، أما العناصر الدلالية فتلك الناتجة عن طرائق تركيب الكلمات وتشمل المعنى ومعنى المعنى على حساب ما عبّر عن ذلك عبد القاهر الجرجاني في النقد العربي القديم.
وعلى هذا يكون البحث عن معنى مترشح من لغة القصيدة واحدًا من أهداف الخطاب النقدي النصّي، ومن هنا يباين النصّيون زملاءهم السياقيين في أن النقد النصّي يتوسل بلغة القصيدة للبحث عن دلالتها في حين يهتم السياقيون بمضمون محدد سلفًا وربما يكون مفترضًا، وبهذا الفهم عرض النقاد المنطلقون من النصوص مضامين القصائد: الفهم القائم على أساس المعنى المترشح عن القصيدة لا المعنى الذي يفترضه الناقد سلفًا.
ومن المقالات النقدية التي عُنيت بهذا الجانب مقالة لخالد علي مصطفى عن إحدى قصائد السياب، أشار فيها إلى أن القصيدة كتبت في لندن 21/ 2/1963 حين كان السياب يستشفي من مرضه العضال، وقسّم الناقد القصيدة على قسمين مقررًا أنها تقع:"في مقطعين ظاهرين ينتهي الأول منهما بالسطر الحادي عشر (والغرفة موصدة الباب) في حين تشكل بقية القصيدة مقطعها الثاني" (41) .
ثم بدأ ذلك الناقد بتحليل القصيدة مستعرضًا صورها فقال عن المقطع الأول بأنه كان:"واقعيًا مباشرًا، يطلّ علينا من زاوية نظر مريض ممدد على السرير في غرفة موصدة، تتناهى إلينا انطباعات هذا المريض عن الغرفة على هيئة صور مرئية جزئية، سريعة العبور ومتقطعة: الغرفة المقفلة، الصمت، الستائر المرخاة، الطريق المترصد، ملابس المريض التي تشبه فزّاعة، العزلة والليل، هذا التتابع الصوري ... تحول بجميع أجزائه إلى عالم مغلق مظلم يتلاشى فيه الإنسان"