الصفحة 175 من 202

وينتظر الموت وحيدًا من غير عون، هنا تصبح الغرفة الموصدة واقع السيّاب نفسه يعيشه ولا يستطيع أن يتخطّاه .. فليس عبثًا بعد ذلك أن يبدأ المقطع بباب الغرفة الموصد وينتهي بالباب الموصد نفسه"."

وبعد أن يفسر لنا خالد علي مصطفى صور القصيدة الدالة على معنى الكآبة والإحساس بالعزلة الذي تؤكده صور: الباب الموصد والصمت العميق والستائر المرخاة التي تزيد من قتامة الجو، يؤكد أن هذا الشريط الصوري بألفاظه وتراكيبه ينمي في النفس وجودًا آيلًا إلى الفناء والتلاشي.

ويشرع الناقد بعد ذلك بتحليل المقطع الثاني من القصيدة بوصفه مقطعًا يؤلف رؤية ضدية للمقطع الأول:"فإذ لا يقبل السياب هذا الواقع المغلق المفروض عليه ... ينتقل مباشرة إلى ذاكرته، فهي الوحيدة التي يستطيع أن يكون بها حرًا، بعد أن ضربت عليه الغرفة- العالم حصارًا محكمًا ... والسياب حين يمارس حريته من خلال الذاكرة ... يدرك أنه يمارس وهمًا:"

ولبست ثيابي في الوهم

وسريت ستلقاني أمّي

في تلك المقبرة الثكلى""

وهنا يصل ذلك الناقد إلى النتيجة التي يريد الوصول إليها فهو يقرر أن الفكرة المترشحة عن القصيدة هي الآتية:"إن نداء الأم يظل أعلى من مهالك هذا الطريق الموحش، الأم هنا تلتبس بالأرض، فإذا كان وجه الأرض: الحياة يبابًا كما رأينا في المقطع الأول، فإن أعماق الأرض: الموت توفّر الشوق والجمال والدفء، هل الموت هنا رمز للعودة إلى رحم الأم- الأرض كما يدعو فرويد؟".

إن خالد علي مصطفى يستعين هنا بصور القصيدة وحدها للتوصل إلى تلك النتيجة، فقد دل تحليله للمقطع الأول على أن القصيدة تعبّر عن هاجس التضاد بين الموت والحياة، وإن حياة السياب الواقعية في تلك القصيدة كانت مظلمة موحشة أما الحياة الأخرى التي يتوق إليها فهي الحياة في باطن الأرض حيث الأم نائمة بانتظار وليدها.

وبعد أن اطمأن الناقد إلى تلك النتيجة راح يلتمس لها تسويغاتٍ تؤكد وجود هاتين الثنائيتين الضديتين:"الصمت العميق في المقطع الأول تقابله الحركة الضاجّة في المقطع الثاني: الشمس، أمواه النهر، والترصّد في المقطع الأول تقابله ألفة صياح الديك إيذانًا بيوم الحشر في المقطع الثاني، وانعدام الصلة في المقطع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت