الصفحة 104 من 202

بناء على ذلك، نرى أن المقالات النقدية التي ناقشت مفهوم الشعرية في الصحافة العراقية، كانت أما مقالات استعرضت مفاهيم وكتبًا ألفت هنا وهناك، أو أنها أساءت فهم جوانب محددة من ذلك المفهوم الذي وصل إلينا في نظرية الأدب الغربية، أو أنها زعمت لنفسها أنها تبحث عن الفرادة والتميز في حين أنها تكرر أقوالًا وتنظيرات لنقاد عالميين دون أن تشير إليها.

والمحاولة الوحيدة التي سعت إلى التفرد كانت محاولة حماسية تغلب عليها العاطفة ولا تتحكم بها روح العلم، ولهذا نرى أن البحث في نظرية نقدية عربية في الصحافة العراقية، بحث سابق لأوانه، لأن مجمل الآراء النظرية الموجودة في هذا السياق يتسم إما بالنقل الحرفي لما هو موجود من نظريات في العالم، وإما بالنظر البعيد عن الروح العلمية.

"5"اللغة

إذا كانت الشعرية في بعض وجوهها تُعنى بتبيّن جوهر الشعر من خلال رصد الوقائع التي تفضي إلى تحقيق هذا المسعى، فقد وجدنا أن واحدًا من الوقائع المرصودة في هذا الصدد هو التفريق بين لغة الشعر ولغة النثر، على أساس أن لغة الشعر يمكن أن تعرف بمقايستها بقسيمها الآخر: لغة النثر.

وكان النقاد قد التفتوا إلى ثنائيتين ترددتا من خلال الإجابة عن هذا السؤال: هل اللغة في الشعر غاية أو وسيلة؟ فوجدنا تفريقًا بين المغزى الدلالي والمغزى التعبيري، ولغة النثر ولغة الشعر، واللغة التقريرية واللغة الإيحائية، واللغة العقلية واللغة الإنفعالية ... الخ.

وتلك التقسيمات الثنائية وإن اختلفت في المسميات تظل تدور حول ثنائية واحدة هي الناتجة عن النظر إلى الدلالة المعجمية للغة القصيدة في مقابل تطور الدلالات الناتجة عن الاستخدامات البلاغية، وقد اختزل جان كوهن تلك التسميات إلى تسميتين هما:

"دلالة المطابقة ودلالة الإيحاء، إن وظيفة النثر هي المطابقة ووظيفة الشعر هي الإيحاء (68) ".

إن دلالة المطابقة تعني اللغة التقريرية كما وضعت في المعاجم اللغوية وتقترن بالعقل والمنطق كما تقترن بالنماذج الشعرية القديمة التي كانت وسيلة إلى الفهم والإفهام أكثر من ميلها إلى الإيحاء، في حين تقترن دلالة الإيحاء بكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت