الصفحة 183 من 202

إن تلك القراءة المكانية، فيما نرى، قراءة نصّية لمدلولات القصيدة، شأنها في ذلك، شأن القراءات النقدية التي عرضنا لها في المبحث السابق، ولكن ما يميزها، هو الاسم الذي أطلقه الناقد على منهجه النقدي، فضلًا عن تناول تلك المدلولات من زاوية نظر خاصة هي زاوية: المكان في القصيدة الحديثة.

لا يمكن أن نعد، إذن قراءة مدلولات القصيدة، قراءة سياقية للنصوص، فالنقد النصّي يعني بعنصر الدلالة كما يعنى بالعناصر الصوتية والتركيبية، وقراءة المضامين وتحليلها عند النّقاد السياقيين تُباين القراءة الدلالية عند النّقاد النصيين، كما رأينا ذلك عندما عرضنا لمقالات النقّاد النصيين في هذا الفصل.

بيد أننا، ينبغي أن نتوقف، هنا، عند قضية تتعلّق بالنظر إلى المناهج النقدية، ومحاولة التوفيق بينها، فقد رأينا من قبل، كيف حاول نقّاد السعي إلى الالتزام برؤية منهجية خاصة تقوم على الإفادة من الاتجاهات السياقية والنصية معًا، وناقشنا صحة أو عدم صحة الدعاوى المتعلّقة بالبحث عن مناهج خاصة في دراسة النصوص.

وليست المزاوجة بين الاتجاهات النقدية المتباينة سمة سلبية دائمًا، إذ أن تلك المزاوجة تعبّر عن رؤية منهجية محددة معروفة في تاريخ النقد العالمي هي ما أطلق عليه ستانلي هايمن الرؤية التكاملية المثالية، ومهما كان رأينا بتلك الرؤية المنهجية، تبقى رؤية قائمة لها أعلامها ومريدوها، غير أن السمة السلبية هي عدم الوضوح المنهجي، لاسيما إذا رأينا نقادًا لا ينطلقون في نقدهم من أفق منهجي واضح، فتراهم تأثريين سياقيين نصيين في آن واحد.

وإذا كنا قد توقفنا في الفصل السابق عند مقالات النقّاد الذين يزاوجون بين الاتجاهات النقدية المتباينة مغلبين الجانب السياقي، فلابد لنا في هذا المبحث من التوقف عند مقالات النقّاد الذين يزاوجون بين تلك الاتجاهات مغلّبين الجانب النصّي، استكمالًا لرؤيتنا المنهجية التي سرنا على هديها في هذا الكتاب.

وربما عبّرت مقالات طراد الكبيسي تعبيرًا واضحًا عن قضية عدم الوضوح المنهجي، والتنقل العشوائي بين عدة خيارات منهجية في الوقت نفسه، فهو يقدم لنا آراء انطباعية مرة، في حديثه عن شعر عدنان الصائغ كقوله عن إحدى صور الشاعر:"الصورة في قصيدة (صباح الخير أيها المعسكر) عن طلوع الشمس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت