الصفحة 46 من 202

إن الاتجاهات السياقية في النقد ظهرت في العراق قبل الاتجاهات النصية، وذلك بسبب نشوء الاتجاهات السياقية في موطنها الأصلي: الغرب قبل غيرها، حتى إنه بات من المعروف أن الاتجاهات النصية والبنائية منها على وجه خاص جاءت رد فعل على تلك المناهج التي تستعين بالعلوم الأخرى.

وقد أشار أحد الباحثين إلى أن عشرينات هذا القرن شهدت محاولات عددٍ من النقاد للإفادة من المناهج الاجتماعية والنفسية وربط النتاج الأدبي ببيئته وزمانه، وتوصل ذلك الباحث إلى أن كتّابًا عرفوا (تين) و (فرويد) وأشاروا إليهما، ومن أولئك النقاد عبد المسيح وزير الذي حاول ربط الأدب ببيئته وزمانه كما حاول تطبيق المنهج النفسي لدراسة الشعر وذلك في نقده ديوان الرصافي (5) .

ولابد للباحث في نقد الشعر العربي الحديث المنشور في الصحافة العراقية اليومية أن يتبين أن ذلك النقد اهتم خلال عام 1958 والأعوام التي تلته بعرض مضامين الشعر ولم يتجاوز ذلك إلى القضايا الفنية الأخرى إلاَّ فيما ندر، ولعلَّ مقالات حارث طه الراوي ومهدي شاكر العبيدي ومحمد شرارة (6) خير ماتمثل هذا الاتجاه المضموني في النقد الذي يمكن أن يندرج ضمن الاتجاهات السياقية.

وبالرغم من اهتمام أولئك النقاد بمضامين القصائد التي تحدثوا عنها وعنايتهم بحيوات الشعراء، لم نجد لهم إشارات إلى مناهج نقدية محددة يسيرون على هديها، على الرغم من أننا نستشف من عنايتهم بالأحداث التي يشيرون إليها، ميلهم إلى ربط الأدب بالزمان والمكان أي ميلهم إلى الجوانب الاجتماعية والتاريخية للأدب.

لقد أتيحت بعد عام 1958 الفرصة للأدباء والمفكرين أن يعبروا عن آرائهم وانتماءاتهم الفكرية، ولاسيما الماركسيون منهم، غير أننا لم نظفر بدراسة جادة تستوحي المنهج الماركسي في النقد، واكتفى النقاد بالحديث عن الهموم السياسية، حتى تحول النقد إلى مطالبة الشعراء بالالتصاق بهموم الجماهير والتعبير عنها، من غير أن يغور النقاد إلى أعماق النصوص وأعماق الشعراء محللين جوهر إبداعهم.

ولذا كان حكم ثابت الآلوسي دقيقًا في قوله أن نقاد الشعر حتى منتصف هذا القرن كانوا:"يلهثون وراء المعاني ذات الارتباط بهموم الطبقات المسحوقة والكادحين من منظور ماركسي، وقلما تشغلهم القيم الجمالية والتعبيرية (7) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت