الفصل الرابع
الاتجاهات النَصّية في النَقد
إذا كانت المناهج السياقية قد جاءت، في موطنها الأصلي: الغرب، ردّ فعل على النقد الكلاسي المعتمد على قواعد محددة سلفًا، فقد استهدت تلك المناهج السياقية بفكرة السياق، محاولة دراسة الأدباء مستعينة بالظروف البيئية والزمانية والنفسية التي تحيط بهم، غير أنها في حومة هذه الاستعانة أغرقت نفسها في تلك السياقات حتى تحوّل الأدب لديها، وفي قسم كبير من تطبيقاتها، إلى أمر ثانوي، الأمر الذي دعا إلى ظهور مناهج نقدية تسعى إلى إعادة الاعتبار إلى الأدب نفسه ليكون وكدا وغاية.
وهكذا ظهرت مناهج نقدية جديدة في بقاع مختلفة من العالم، أطّرحت السياقات الخارجية للنصوص: النفسية منها والتاريخية والاجتماعية، واعتمدت على النصوص نفسها لتتبيّن خصائصها الفنيّة عبر تحليل عناصرها ودراسة العلاقة بين تلك العناصر، من غير الاعتماد على سياقاتها الخارجية، انطلاقًا من كون النصوص عوالم كاملة يمكن، عبر التحليل، أن تنجلي وتكشف عن نفسها، ومن هذه المناهج النقدية: منهج الشكلانيين الروس ومنهم مدرسة النقد الجديد في أمريكا والمنهج البنائي والمنهج التفكيكي ومناهج القراءة وغيرها من المناهج النقدية التي سبق أن تناولناها.
ولم يكن النقدالأدبي العربي بمنأى عن التطورات الحاصلة في العالم، بحكم عوامل الاتصال الحضارية، وبحكم الحاجة إلى مواكبة التطورات الحاصلة في النقد الأدبي العالمي، وهكذا وصلت إلينا، عبر الترجمة، النظريات الأدبية الحديثة، وما رافقها من نقد تطبيقي، فأخذ قسم من الأدباء العرب يبشرون بالمناهج النصّية الحديثة واتخذوها وسائل لدراسة النصوص الأدبية.