والملاجئ والبيوت والمدن ... ومكانيتها تلتزم الصحراوية، وكي تتوضّح قصدية الشاعر في تعامله مع الساحة أعطاها صفة زمنية، فكان المحور الأول من القصيدة مشبعًا بزمنية الليل الأبدي وبالوقت حيث دقّت الساعة ... ، وعمّق هذه الزمنية بالنافذة المطبقة الأهداب وبالنجمة الساهرة ... وقرن هذا المعنى بتركيبة نفسية موحية هي السكون الصامت"..."
وبعد ذلك قرر الناقد أن القصيدة تميل إلى:"الاسمية أكثر من ميلها إلى الفعلية، ويعني ذلك هيمنة أخرى للساحة على تراكيب الصور، وما ظهر من تراكيب فعلية انسحب إلى الداخل بفعل هيمنة الأسماء المكتسبة صفة الساحة، وما الأفعال القليلة إلا دليل آخر على هذه الهيمنة".
يمكن ملاحظة أن النصير في هذا التحليل النقدي يمثل اتجاهًا نصيًا واضحًا، على عكس زعمه النظري بأنه يريد تحسس فاعلية الأدب في المجتمع، فهو لا يستعين بأي من الظروف والسياقات الخارجية التي أثرّت على الشاعر وإنما يدرس دلالة المكان في القصيدة انطلاقًا من تحليل المفردات وتحليل القصيدة على وفق محاورها التي اختارها، فهو ينطلق من النص وحده لتبين فاعلية المكان في القصيدة.
ولعل ذلك الناقد شعر بالتناقض الذي أوقع نفسه فيه، ذلك التناقض بين الزعم النظري والتطبيق الفعلي، فأشار في مقدمة مقالته إلى أن النص:"مهما كان نوعه يخضع إلى بنية فكرية تراثية وإنسانية أشمل من المفردات المكوّنة له، وما قراءتنا هذه أو سواها إلا قراءة للمفردات التكوينية، أما القراءة الأشمل، فهي وضع النص ضمن سياق فكري اجتماعي أوسع".
إن الملاحظة التي أوردها الناقد في مقدمة مقالته لا تمتّ إلى التطبيق النقدي بصلة، كما رأينا ذلك، فتحليله تحليل نصي محض لا علاقة له بالتحليلات السياقية، والمرجّح أنه أورد تلك الملاحظة لكي لا (يُتهم) بتهمة النصيّة التي سبق له أن ألصقها بآخرين، ونرجّح أيضًا أنه في تنظيره لقضية القراءة الأشمل التي لم يطبقها مطلقًا، فيما وجدنا له من مقالات نقدية، يريد أن يتّسق مع رؤيته (الماضية) للمناهج النقدية، ولكي يظهر للآخرين أنه في منهجه (المكاني) لا يبتعد كثيرًا عن مواقعه الماضية.
وقد طبّق النصير قراءته المكانية تلك على قصيدتين أخريين الأولى لهادي ياسين علي عنوانها: (الجسر) والثانية قصيدة: (بيوت) لرعد عبد القادر (50) .