ليست فن الشعر لأن فن الشعر يقبل القسمة على أجناس وأغراض ... والشعرية ليست مفهوم الشعر ولا نظرية الشعر ... إن الشعرية في ذاتها هي ما يجعل الشعر شعرًا وما يسبغ على غير الشعر صفة الشعر ولعلها جوهره المطلق" (66) ."
ثم يعمد بعد ذلك إلى استعراض تاريخ الشعر العربي كله بدءًا من المعلقات ومرورًا بثورة أبي تمام وظهور الموشحات إلى ظهور ماسماه (الشعر الحر) ، ليقرر أن كل نص من هذه النصوص يتميز عن غيره من ناحية وأنها جميعًا تشترك في ثوابت ترسبت من المرحلة الأولى في المراحل اللاحقة وصولًا إلى قصيدة الشعر الحر، من ناحية أخرى ويقرر أن تلك النصوص مجتمعة تؤكد وجود شعرية عربية تقوم على أربعة ثوابت هي: 1 - الجرس الموسيقي أو الوزن، 2 - اعتماد الخيال في بناء الصورة الشعرية، 3 - وجود عاطفة غير اعتيادية، 4 - وجود أسلوب خاص في بناء البيت الشعري. ويقول أخيرًا أن وجود عنصر من هذه العناصر لا يجعل النص شعريًا وأن نقص عنصر من هذه العناصر اخلال بشعرية النص (67) .
والحقيقة أن البصري هنا يسعى إلى البحث عن مفهوم محدد للشعرية العربية يتميز به من الشعريات الأخرى الموجودة في العالم، ولكنه ينطلق من مسلمات معهودة في الدراسات الأدبية، والثوابت التي يتحدث عنها فيما لو صحت يمكن لها أن تفضي إلى تحديد تلك الشعرية التي يبحث عنها الناقد، ولكن أنى لذلك أن يتحقق في مقالة سريعة تستعرض تاريخ الشعر العربي كله بتلك العجالة وتتوصل إلى مفاهيم محددة ثابتة؟
إن الشعرية، كما رأينا، تدور في فلك البحث عن علم للشعر وهذا العلم لا يمكن أن يتحقق بغير أساليب علمية تقود إلى ذلك، فما الأسلوب العلمي الذي يحدد العاطفة ودرجة العاطفة مثلًا؟ ثم ألا تتوافر تلك العاطفة في شعر الأمم الأخرى غير العربية؟
وهذه الملاحظة نفسها تصدق على الخيال في بناء الصورة الشعرية وعلى الأسلوب الخاص فما الخيال المتفرد في الشعر العربي وكيف السبيل إلى كشف علمي عن الأسلوب العربي الخاص؟
هذه الأسئلة وغيرها يمكن أن تثار في وجه أية دعوة لكي تختبر مصداقيتها، وعلى هذا لا نرى في دعوة البصري إلى الشعرية العربية غير دعوة تمليها الحماسة ولا يحف بها العلم.