الصفحة 118 من 202

ولا يختلف محمود العبطة (11) عن زميليه السابقين في كونه مؤرخًا للأحداث أكثر من كونه ناقدًا ففي مقالته (محمود الحبوبي شاعر الحرية والمجتمع) نراه يؤرخ للأحداث السياسية ويعرّف بقيم الحرية والنضال والقيم الاجتماعية الثورية ولكنه يشير إشارة عابرة إلى انعكاس:"هذه المظاهر العامة في شعر ونفسية الحبوبي (12) "غير أنه لا يخبرنا عن كيفية انعكاس تلك المظاهر وإنما يكتفي ببيان الأحداث التاريخية، وهو يورد أبياتًا من الشعر مثل هذه الأبيات:

طلب الناسُ أن يكون انتخابُ ... الناسِ حرًا لمجلس النواب

فحسبوه الذي أراد فأعيا ... هُ مقاساهُ ما رأى من صعاب

رام خيرًا فكان شرًا عليه ... بعدما حاد عن طريق الصواب

فهو يأبى وقد غدا الحرّ عبدا ... أن يعيدوا حرية الانتخاب

يوردها على أنها شاهد يوضح كلف الشاعر بالحرية وهيامه بها، ولكنه لا يلاحظ مايعتور هذه الأبيات من نثرية ثقيلة تصلح أن يعبّر عنها في مقالة سياسية وليس في أبيات شعرية.

كان أولئك النقاد الثلاثة الذين عرضنا لعدد من مقالاتهم نقادًا سياقيين، أو نفترض أنهم كانوا كذلك، لأنهم لم يتحدثوا عن مناهجهم النقدية في أي من المقالات التي أطلعنا عليها، ولكنهم فهموا من السياقية جزءًا محدودًا، إذ تصوروا أن الحديث عن التاريخ الشخصي للشعراء وعن قسم من موضوعاتهم يمكن أن يدرجهم تحت باب النقد التاريخي والاجتماعي.

وقد شاع مثل هذا النقد في السنوات القليلة التي أعقبت عام 1958، فكأنّه كان انعكاسًا للأفكار والتصورات السياسية التي برزت آنذاك، إذ شهدت صحافة العراق في تلك الحقبة الزمنية انفتاحًا على الاتجاهات الفكرية الموجودة في العالم، ولا سيما الاتجاهات الفكرية المرتبطة باليسار العالمي، ولا شك في أن الفكر الماركسي الذي يعدّ من أبرز المناهج السياقية المعروفة كانت لديه الفرصة الكبرى للظهور حينذاك، غير أننا لم نلاحظ في الكتابات النقدية المنشورة في صحافة العراق اليومية تعرّفًا بينًا لهذا الفكر.

إن ما تمكن ملاحظته على النقد الشائع آنذاك وجود كلام سياسي عام يمّجد الطبقات المسحوقة ويتحدث عن النضال الوطني وتاريخ الانتفاضات الوطنية مكتفيًا من الشعر بإيراد الشواهد على ذلك التاريخ، وهو مالاحظه، من قبل، باحثان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت