لمعرفة خصائصها من خلال تطورها الداخلي، وأصبحت لغة شعر الستينات غير خاضعة لمنطق البلاغة العربية القديمة، بل أصبحت اللغة فعلًا إبداعيًا لاينفصل في نشاطه عن تجربة الشاعر، وأخيرًا: ظلت حركة الشعر في الستينات خاضعة لمنطق التجريبية، وهذا يدل على أن الشاعر لايخضع لقاعدة واضحة محددة سلفًا في ذهنه (3) .
وهذه المقالة تحاول إثبات تميّز الشاعر الستيني، غير أننا لانتبين أدلّة من شأنها أن تقنعنا بهذا التميّز، فمراجعة الشاعر نفسه ونتاجه لمواصلة خط تطوره خصيصة عامة للشعراء كلهم ولا يمكن لتلك المراجعة أن تميّز شاعرًا من آخر ولا جيلًا من جيل وحديثه عن إلغاء البعد الواحد في القصيدة لتكون قابلة للانفتاح على بصيرة القارئ، يحتاج منه أن يقدم نصوصًا شعرية تتضمن أبعادًا متعددة، ويوضّح لنا تلك الأبعاد، لكي يكون حكمه مقبولًا، ولكنَّ الناقد لم يفعل ذلك وإنما بقي أسير الأحكام الشمولية التي استنتجها من غير شواهد أو إثباتات.
وهذا هو شأن حكمه على لغة شعر الستينات الذي يحتاج هو أيضًا إلى دراسة نقدية توضّح اختلاف لغة الشاعر الستيني عن غيره من الشعراء، إلاّ أننا نتفق مع الناقد في قوله أن قصيدة الستينات تخضع لمنطق التجريب، لما عرفنا عن قسم من شعراء ذلك الجيل من ميل تجريب أشكال شعرية جديدة: قصيدة النثر، مثلًا، واستخدام الملصقات في الشعر واستخدام مفردات مرسومة بالحرف اللاتيني ... الخ من أساليب تجريبية.
لم تقتصر تسمية (جيل) على شعراء الستينات وحدهم، بل أطلقت على آخرين من أجيال مختلفة، فكأنّ العرف قد أشاع استخدام هذا المصطلح كل عقد من الزمان، غير أن حاتم الصكر يزعم أن النقد لايستخدم الجيل:"مصطلحًا مطّردًا لكل عقد من السنين، فعشر السنوات التي ألّفت العقد الخامس (الأربعينات) لم تفرز رؤية مشتركة لجيل شعري .. كما أن الحديث عن جيل الستينات في العراق وجيل مابعد الستينات له من الحيثيات مايجعله مقبولًا" (4) .
ونقول إن قضية الأجيال الشعرية قضية حديثة جدًا، بالمعنى الزمني لمفردة (حديث) ، لم يعرفها الوسط الثقافي إلاّ في ستينات هذا القرن، واستمر استخدام مصطلح جيل ثلاثة عقود متتالية، لذا تبقى هذه القضية تدور في فلك حقل تاريخ الأدب، وإن أغلب ماكتب عن قضية الأجيال الأدبية لم يخرج من هذا النطاق.
ولهذا لانتفق مع مايراه حاتم الصكر من أن:"الحديث عن جيل الستينات ليس حديثًا عن مجريات العقد الذي عاشوا فيه ... الحديث هنا زمن تمثلوه وتلقوه"