الصفحة 84 من 202

والستينات والسبعينات تفرد عبد الجبار البصري (16) في إطلاق صفة جيل على شعراء أربعينات هذا القرن، الذين سبق لحاتم الصكر أن ضرب بهم المثل في عدم توافر الرؤية المشتركة لديهم، إذ رأى البصري أن أربعينات هذا القرن شهدت جيلًا أدبيًا له خصائص مشتركة، ومن شعراء هذا الجيل: أكرم الوتري ونعمان ماهر الكنعاني وأنور خليل وحافظ جميل وإبراهيم الوائلي ومحمد صالح بحر العلوم وعبد القادر رشيد الناصري وغيرهم، وقرر البصري بأن لأولئك الشعراء رؤية تميزهم ممن سبقهم ومن تلاهم (17) .

ولا نريد لهذه المسألة أن تبقى في هذا السياق من المحاججة، فناقد يرى عدم وجود رؤية مشتركة لدى هؤلاء الشعراء وآخر يقرر وجود مثل هذه الرؤية والحكم الفيصل في ذلك هو الدراسة النصّية التي تكشف عن وجود هذه الرؤية أو عدم وجودها، ونحن نرى أن هذه الأحكام التي لاتعتمد على الحيثيات أحكام غير مقبولة ينبغي على النقد الأدبي أن يتخلى عنها.

أما علي الحلي (18) فيخالف النقاد جميعًا في نظره إلى قضية الأجيال الأدبية فيتوصل إلى مايشبه التعريف:"الجيل يمثل حركة نوعية جمعية للأفراد ضمن زمن ما، وتأسيسًا جديدًا، ومخاصًا متفجرًا لمجموعة من المفكرين أو الفنانين أو الأدباء أو الفلاسفة أو السياسيين تجمعهم رابطة ذهنية مشتركة بحدودها النسبية" (19) .

ومن أجل إيجاد شواهد وإثباتات لهذا التعريف أشار إلى المدرسة السريالية الفرنسية أو مايسمى جيل بريتون وذكر أسماء مجايلي بريتون وتحدث عن خصائص ذلك الجيل، ثم استعرض أسماء أخرى: جيل أودن في الأدب الإنجليزي الذي كان يقف بإزاء مدرسة اليوت، ويشير عربيًا، إلى جيل مدرسة أبولو متوصلًا في تلك الدراسة إلى أن صفة جيل تنطبق على الخمسينات دون سواها من العقود اللاحقة على نحو خاص، بعد أن شرح ظروف العراق السياسية بعد الحرب العالمية الثانية وقبلها أكّد وجود جيل ليس على المستوى الشعري حسب وإنما في الموسيقى والغناء والفن التشكيلي والأدب والسياسة والفكر وقرر في آخر تلك الدراسة: ان العقود التي تلت تلك الحقبة ماتزال بعيدة عن الالتصاق بمصطلح الجيل إلاّ إذا توافرت لها الإمكانات التأسيسة.

وعلى الرغم من الاستقصاء الشامل للظروف العامة في العراق واستقصاء أسماء الأدباء والفنانين والمفكرين، والتعريف الوافي لمصطلح (جيل) الذي حدده علي الحلي، تظل القضية الإثباتية الأساسية غائبة عن تلك الدراسة الممتعة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت