الصفحة 162 من 202

للخروج بها عن نطاق الشكلية اللفظية وضرب لهذه القصيدة مثلًا من قصائد حسب الشيخ جعفر، الذي:"يخرج من ضوابط التدوير اللفظي ويضيف إليها تدويرًا زمانيًا وتدويرًا مكانيًا، بحيث تتحول الاستدارة إلى دوار يشتت انتباه القارئ ويهرب مضمون القصيدة من بين أصابعه". (12)

ويتخذ البصري من قصيدة: (قارة سابعة) لحسب الشيخ جعفر مثالًا يوضح فيه التدوير الزماني والمكاني، ففي تلك القصيدة يُدخل الشاعر نصّ رسالة امرأة كان يعرفها خارج العراق:"ويربط مكانها بمكانه بحيث تذوب المسافات ويشعر القارئ كأنّ غرفة الشاعر ومقهاه في العراق وحديقة الأطفال والغابات والبحر هناك كلها على مستوى واحد، شأنه في ذلك شأن الرسّام الحديث الذي يلغي المسافات بين موضوعاته وهو يراكمها على قماش لوحته:"

في غرفتي وحدي أعبّ الشاي والسجائرَ

الرخيصةَ، الكتابُ مفتوحٌ وفي المقهى الدخانُ

امرأةٌ تؤنسني، الرحيلُ في قرارةِ الكوبِ،

وفي الجرائدِ المكرورةِ، النزهةُ كالجذعِ قديم

يابسٌ كالجذع، في طريقها الآنَ إلى حديقةِ

الأطفالِ في معطفها المنفتحِ الخفيفِ، فوق

الركبتين الثوبُ، والصدرُ كما تنفخُ في طيارةِ

الطفولةِ الريحُ وفوقَ الكتفِ يلهو الشعرُ"."

ويرى ذلك الناقد أنه بعد التدوير المكاني الذي لا حظه يوجد تدوير زماني أيضًا فالشاعر:"في (حاضره) متوحّد في غرفته ببغداد، وإذا خرج منها فإلى المقهى المكتظة بالدخان، وهو في (ماضيه) كان سعيدًا إلى جانبها متمتعًا بجمالها يغريه المعطف المنفتح والثوب القصير الملموم فوق الركبتين ... وتتحول الذكرى مع زمن الوحدة والدخان وتزول الرقابة بين الشعور واللاشعور".

ويخلص البصري من ذلك كله إلى أن ظاهرة القصيدة المدورة:"إذا فقدت هذا التدوير الداخلي في بنائها الفني تفقد مبررها، لأن التدوير اللفظي لا قيمة له ولعلّه يسيء إلى موسيقا القصيدة أكثر مما يخدمها".

ونلاحظ على تلك المقالة أن الناقد وإن أوحى بأن موضوعه يتعلق بالجانب الموسيقي إلاّ أنه لم يتناول أية قضية إيقاعية، وإنما تناول القصيدة المدوّرة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت