ولكن إذا حُمَّ القضاء على امرئ ... فليس له برّ يقيه ولا بحر [1]
وقال أصَيْحابي الفرار أو الرّدي؟ ... فقلت هما أمران أحلاهما مُر
ولكنني أمضي لما لا يَعيبُني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر [2]
يقولون لي بعت السلامة بالردف ... فقلت أما والله ما نالني خَسْر
حاول الشاعر أن يبين لنا أنّه قد أسر في ساحة المعركة، وأن أصحابه ما حملوا سلاحا وهم حوله، قالوا: إما أن نحملك ونفرّ فننجو، وإمّا أن نلبث فنموت، فقال لهم الفرار نجاة، فجبن، فكان جبنه مرّ المذاق، والرّدى فيه الهلاك وهو الأحلى والأجمل.
واستمر أبي فراس الحمداني يبين لنا حاله، لأن القوم يتهمونه ويقولون إنه يفر من الموت، مع أنه كان على علم بأنه سيموت، لذلك نجده قد اختار دار الآخرة لأنه هو دار البقاء [3] ، يقول [4] :
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره ... فلم يمت الإنسان ما حَيِيَ الذكر
ولا خير في دفع الرّدى بِمَذَلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرُ
يمنون أن خلوا ثيابي وإنما ... عليّ ثياب من دِمَائِهم حُمْر
وقائم سيف فيهم اندق نصله ... وأعقاب رمح فيهم حُطَمَ الصَّدر
وبعد ذلك توجه أبي فراس الحمداني إلى قومه، حيث نجد أنه يلومهم، وذلك لسبب أنهم قد تأخروا في فدائه بعد عن أسري، وكذلك أنهم لم يعطوه حقه وقدره، وسوف يطلبونه إذا افتقدوه [5] ، قوله [6] :
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر [7]
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه ... وتلك القنا والبيض والضَّمَّرُ الشقر
ولو سَدَّ غيري ما سددت اكتفوا به وما كان يغلو التبر لو نفق الصّفر
واختتم القصيدة وهو يفتخر بقومه ويعتز بهم، فإنّه يرى نفسه قطعة منهم، فقال [8] :
(1) إذا حم: أي إذا وقع القضاء والقدر.
(2) أبو فراس الحمداني، المرجع السابق، ص 157.
(3) ينظر محمد صلاح زيد، رائية أبي فراس الحمداني، المرجع السابق.
(4) أبو فراس الحمداني، ديوان أبو فراس الحمداني، المرجع السابق، ص 157.
(5) ينظر محمد صلاح زيد، والرابط نفسه.
(6) أبو فراس الحمداني، المرجع السابق، ص: 158.
(7) الظلماء: أي شدة حاجتهم له تساوي شدة حاجة الناس للبدر في الظلماء.
(8) أبو فراس الحمداني، المرجع السابق، والصفحة نفسها.