فهذا ورب البيت فيه تناقص ... فما صدقوا والله فيه وما بروا [1]
ثم أخذ يبرز دثامة خلقه وكثرة حلمه على جماعته وعشيرته، فيذكر أنه لايقتص مما رموه به ليس خوفا منهم أو عجزا، ولكنّه محض العفو واللين والصفح والصبر، يصون عرضه ويظهر كرمه محتسبا إلى الله الأجر، فقال:
فلا تحسبيني يا أميمة عاجزا ... ولا جبنا وغلا كما يحسب الغمر [2]
ولكن عفوي حسبة وتكرما ... وصونا لعرضي أن يدنسه المزر [3]
دعاهم إلى ظلمي وأغراهم به ... وما علموا من أن شيمتي البر [4]
فالشاعر هنا يتعجب، ويذكر أقصى ما بلغ إليه من الحلم مع أفراد مجتمعه، وليس من طاقة أي إنسان أن يحلم ويصبر عليهم مثل حلمه وصبره.
وبعد ذلك انتقل الشاعر إلى غرضه الرئيس وهو الفخر، فنجده يفتخر برأيه الصائب، وفصاحته الفذّة، وذكائه المفرط، وهيبة الأعداء منه في ميدان الحرب، ومستعليا على بني موسى، ويمن عليهم بأنّه هو أول من يواجه إن ألمّ بهم منكر، فإن ارتحل عنهم فسوف يذكرونه ويلتمسونه كما يلتمس القمر في ليلة ظلماء، يقول:
لقد علمت بني موسى بأني جزيلها ... المحكك إن أمر ألم بها أمر [5]
لقد علمت بني موسى بأني عذيقها ... المرجب إما عضها البيض والسمر [6]
فحينئذ لم يطلبوا مثل مشهدي ... وفي الليلة الظلماء يلتمس البدر [7]
واختتم القصيدة وهو يزمع على السفر إلى أحمد في النيجر، مقتطعا البيداء والمفاوز، لأنّه رجل ملأ الدنيا بالعدل، ويمدحه بقوله:
يود شذاه ثم معشار نوره ... وقيمته الكافور والندر والتبر
(1) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
(2) جبنا: تهيب الإقدام على ما لا ينبغي أن يخاف.
(3) المزر: خيط يكون في فم الكيس ونحوه إذا شدّ أغلقه وإذا أرخي فتحه.
(4) الوزير جنيد، ديوان اتحاف القارئ ببعض قصائد محمد البخاري بن الشيخ عثمان بن فودي، المرجع السابق، 37.
(5) جزيل: عود تركز لتحتك الإبل المجرب به. المحكك: ما ينصب في مبارك الإبل لتحتك به الجربي منها.
(6) عذيق: ذكي لبق. المرحب: المعظم والمهيب المخوف.
(7) الوزير جنيد، المرجع السابق، 37.