لقد نظم الشيخ أبي بكر عتيق هذه القصيدة، ليظهر مدى اشتياقه للذات المحمدية، معارضا بها قصيدة ابن الفارض السابقة الذكر، فهي تدل دلالة واضحة على شدّة تعلّق قلب الشيخ بالذات المحمدية، كما تنّم عن تعمّقه في التصوف، وتقع قصيدته في خمسة وثلاثين بيتا.
افتتح الشيخ قصيدته دون أن يقدم لها بمقدمة، فبدأ يبيّن سروره والفرح الذي غمره، حين التقى بحبيبه الذي طالما يرتجي الوصول إليه إلاّ أنّ الذنوب تعوّقه عن ذلك، فلمّا صادفه أخذ يبيّن له حوائجه كي يقضيها له، فهو يرجو منه النوال والقرب والوصل والخلاص والفوز وخير الختام.
يقول [1] : ... {المديد}
فسلام عليك ممن أتاك ... يا حبيب الإله يرجو رضاكا
طالما يرتجي الوصول إليكم ... لكن الذنب عاقه عن لقاكا
أنت باب الإله من جاك حضرا ... نال كل المنى وفاق السماكا [2]
جئت أرجو النوال منك فجد لي ... بالذي أرتجي وقل لي هاكا [3]
أرتجي القرب أرجي الوصل أرجو ... كل ما نال ذو المنى من عطاكا [4]
قيدتني عن النهوض ذنوب ... حل عني القيود والأشراكا [5]
وبعد ذلك نجد الشيخ يصف ممدوحه الرسول صلّى الله عليه وسلّم بصفات عدة، صفات أكثرها ذات معان صوفيّة يكثر تداولها على ألسنة المتصوّفة، صفات لا يدرك حقائقها إدراكا تاما إلا الذي نشأ في حجر الصوفيين، فهو نور الإله، وخير من يرتجي الفوز منه، وهو كاشف الحجب، وهو عين
(1) أبو بكر عتيق، ديوان هدية الأحباب والخلان، مخطوط، مكتبة الشيخ أبو بكر عتيق بكنو، 55.
(2) السماك: نجم في السماء يضرب به المثل في العبد.
(3) النوالة: كل ما ينيله الحق أهل القرب من خلع الرضا، وقد يطلق على كل خلعة يخلعها الله على أحد. وقد يخص بالأفراد، معجم الاصطلحات الصوفية، 118.
(4) القرب: عبارة عن الفناء بما سبق في الأول من العهد الذي بين الحق والعبد في قوله تعالى {ألست بربكم؟ قالوا بلى} ، معجم الاصطلحات الصوفية، 161.
الوصل: هو الوحدة الحقيقية الواصلة بين البطون والظهور وقد يعبر به عن سبق الرحمة بما لحمبة. وقد يعبر به عن قيومية الحق للأشياء، فإنها تصل الكثرة بعضها ببعض حتى تتحد. وقد يعبر بالوصل عن فناء العبد بأوصافه في أوصاف الحق، وهو التحقق بأسمائه تعالى المعبر عنها بإحصاء الأسماء، كما قال عليه السلام: {من أحصاها دخل الجنة} ، معجم الاطلاحات الصوفية المرجع السابق، 76 - 77.
(5) أبو بكر عتيق، ديوان هدية الأحباب والخلان، المرجع السابق، ص: 55.