فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 228

رضي الله عنه

تتفق الوثائق والمصادر التاريخية على أن أبا حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي [ت 23 هـ] ، كان أول من رتب الدواوين في الإسلام.

وديوان الجند، الذي سُمّي أيضًا باسم"ديوان العساكر"، أو"ديوان الجيش".. كان أول الدواوين التي نظمها ورتبها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وعن سبب إنشاء هذا الديوان يقول الشيخ الجليل ابن تيمية رحمه الله: (لم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوان جامع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه، بل كان يقسّم المال شيئًا فشيئًا، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كثر المال واتسعت البلاد وكثر الناس .. فجعل ديوان العطاء للمقاتلة، وغيرهم .. وديوان الجيش في هذا الزمان مشتمل على أكثره، وذلك الديوان هو أهم دواوين المسلمين) .

وديوان الجند؛ عبارة عن هيئة إدارية، من الأفراد الموثوق في سلوكهم وأمانتهم، ووظيفتُهُم ترتيب وتنظيم السجلات الخاصة بأسماء المقاتلة، وعيلاتهم، ومواليهم وعطائهم.

وقد اختلف المؤرخون في تحديد أصل هذا الديوان .. فقال نفرٌ منهم، أنه أعجمي الأصل، وكان الفرس أول من نظمه ورتبه، وأن عمربن الخطاب نقله عنهم، وعدّله بحيث يتلاءم مع مبادئ الإسلام وقيمه .. ودليلهم على ذلك، أنه في سنة 20 من الهجرة المباركة، خطب عمر الناس وقال: (قد جاءنا مالٌ كثير .. فإن شئتم أن نكيل لكم كِلْنا، وإن شئتم أن نَعُدَّ لكم عددنا، وإن شئتم أن نَزِن لكم وَزَناَّ لكم؟) .. فقام رجل وقال: (يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديوانًا لهم، ينظم توزيع العطايا على الناس) . وقد أُعجب الفاروق عمر بالفكرة، واستشار أصحابه في هذا الأمر، فوافقوا .. فقال عمر: (دونوا الدواوين) .. هذا على حد قول الفاسي، والأصمعي، والجهشياري.

أما سيبويه والقلقشندي فلهما رأي آخر مفاده: أن العرب، وليس الأعاجم، هم أول من نظم الدواوين ورتبها، وأن ديوان الجيش كان أول هذه الدواوين.

مجالس الديوان:

وكان ديوان الجند، على عهد الخليفة عمر بن الخطاب، يتكون من مجلسين وهما:

· مجلس التقدير: وهذا المجلس مختص بالنظر في تقدير رواتب الجند وأرزاقهم، وتحديد أوقات صرف الأعطيات.

· مجلس المقابلة: وهذا المجلس يضم عددًا كبيرًا من الأفراد .. مهمتهم مقابلة المجندين المستجدين، واجراء كشف اللياقة البدنية عليهم .. ثم تسجيل أسمائهم، وسنهم، ولونهم، وكافة الملامح المميزة لكل واحد منهم.

وكان يرأس كل مجلس"أمين"له اختصاصات محدودة، أما رئيس الديوان فكان"كاتبًا"من خيرة الكُتَّاب، وله صلاحيات واسعة في إدارة الديوان وتنفيذ القرارات، وكان يطلق على هذا الكاتب اسم"صاحب ديوان الجند".

شروط الإنضمام:

وكان ديوان الجند يضم الجند النظاميين، وهم الذين يتقاضون رواتب معلومة من الديوان لقاء فترة تجنيدهم .. كما كان يضم الجند المتطوعة، وهم فريقان: فريق؛ يتقاضى رواتب معلومة نظير الإشتراك في الحروب، وفريق؛ تطوع بنفسه وماله.

ويذكر الماوردي، في كتابه الأحكام السلطانية، أن القائمين على ديوان الجند اهتموا جدًا باختيار الأشخاص الأصحاء الصالحين للجندية .. وذلك حسب الشروط الآتية:

1)البلوغ.

2)سلامة الجسم من الأمراض.

3)الإقدام .. بمعنى أن يكون الفرد قوي البنية، شجاعًا، ملمًا بكيفية استخدام السلاح، متحملًا لمشاق السفر.

4)أن يكون طالب الجندية متفرغًا لها.

سجلات الديوان:

وقد نُظِّم ديوان الجند تنظيمًا محكمًا، بهدف صرف رواتب المقاتلة وأرزاقهم، بشكل منظم ومضبوط. ونتبين ذلك بوضوح من التنوع في السجلات والاستمارات الخاصة بصرف الرواتب والأرزاق.

وكانت هذه السجلات والاستمارات يدون فيها أسماء المقاتلة .. على أن يكون في مقدمة الأسماء، قريش، وعلى رأسهم الأقرب إلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أسماء المقاتلة من مُضَر، يليهم أسماء المقاتلة من ربيعة، ثم أسماء المقاتلة من قحطان .. حتى تستوعب جميع المقاتلة المسلمين .. يليهم أسماء المقاتلة من غير المسلمين الذين فضلوا الانضمام إلى الجيش الإسلامي بدلًا من دفع الجزية.

ومن أهم السجلات التي حواها ديوان الجند على عهد الفاروق عمر:

سجل الرجعة: وهو كشف حسابي يرفعه أمير الجيش الإسلامي إلى صاحب ديوان الجند .. مبينًا فيه مقدار ما تم صرفه على المقاتلة.

سجل الرجعة الثانية: وهو الكشف الحسابي الذي يرفعه صاحب الديوان إلى الخليفة.

سجل الزيادة: وهو بيان بالزيادات التي تضاف على الرواتب - حوافز -

سجل الساقط: وفيه أسماء المقاتلة الذين يستغنى عنهم، أو لاقوا حتفهم.

الجريدة السوداء: وهي تحوي أسماء المقاتلة، وأوصافهم، وما يتعلق بكل منهم، من الأعطيات والأرزاق.

سجل الفهرست: وهو دليل يحوي أسماء السجلات والدفاتر العائدة لديوان الجند.

الأعطيات:

وكان ديوان الجند، في زمن الفاروق عمر، يأخذ بنظام"المفاضلة"في توزيع الأعطيات والأرزاق .. وذلك عملًا بقول عمر بن الخطاب: (لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه) .

ونظام المفاضلة هذا - كما يقول الأستاذ محمود الشرقاوي - يهدف إلى"توزيع الأعطيات وفق مباديء كانت تلائم عصره كل الملاءمة، وهي القربة من النسب النبوي، والسابقة في الإسلام، وقرر صرف معاشات لرجال الإسلام على هذين المبدأين العظيمين اللذين يعتبران الآن من أهم المباديء المقررة في الدولة الحديثة".

توزيع الأعطيات:

وكانت الأعطيات والأرزاق توزع على الجند في أماكن تواجدهم .. وذلك عن طريق"العرفاء"، وهم موظفون مهمتهم استلام أعطية الجند، من أمراء الجيش، وتوزيعها ..

ويقول مصعب الزبيري في كتابه"نسب قريش": (كان العطاء يدفع إلى العرفاء، وكان لكل عشيرة عريف يأخذ أعطيتهم، ويدفعها إليهم) .

وكانت الأعطيات لاتوزع إلا بعد اعتمادها من الخليفة شخصيًا .. وبعد اعتمادها يقوم"صاحب ديوان الجند"بإرسال السجلات والاستمارات الخاصة بصرف الأعطيات إلى أمراء الجيش الإسلامي، وهم بدورهم يسلمونها الى العرفاء ..

وكان عمر بن الخطاب يرسل من يراقب عمليات صرف الأعطيات والأرزاق، حتى تصل إلى أصحابها دون نقصان .. وذلك بإرسال مجموعات من الأفراد المقربين إليه، على أماكن توزيع الأعطيات .. وكانوا يأتون إليه بالأخبار أولًا بأول.

ويقول الجاحظ: (كان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته، كعلمه بمن بات معه على فراش واحد، وعلى وسادة واحدة .. فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا ناحية من النواحي، عامل ولا أمير جيش، إلا وعليه عين، لايفارقه ما وجده .. فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسى ومصبح) .

وقد بلغ حرص عمر على توصيل الأعطيات إلى مستحقيها، أنه كان يقوم شخصيًا بزيارات مفاجأة لمناطق صرف الأعطيات، بل وكان يشرف بنفسه على توزيع الأعطيات.

وكان الفاروق عمر يستغل أوقات صرف الأعطيات، فيشجع الجند على القتال في سبيل الله، ويبث فيهم الروح المعنوية العالية، ويعدهم بالمزيد من الأعطيات .. وتذكر المصادر والمراجع التي بين أيدينا، أنه في إحدى مناطق توزيع الأعطيات خطب عمر خطبة قصيرة .. جاء فيها: (لئن كثر المال، لأفرضن لكل رجل أربعة آلاف درهم، ألف لسفره، وألف لسلاحه، وألف لأهله، وألف لفرسه وبغله) .

[عن مجلة؛ الجندي المسلم / العدد: 93]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت