منذ أن وجدت الحروب وجد الخراب والدمار، تلك هي معادلة الحرب في أي زمان ومكان؛ ولكن في العصر الحديث أضيف إلى المعادلة أنه حيثما وجدت الحرب وجدت الألغام، ووجودها يعني توابع للحرب أشبه بتوابع الزلزال، فالزلزال ينتهي وتبقى توابعه، والحرب تنتهي وتبقى ألغامها؛ تقتل .. تبتر الأطراف .. تعيق أناسًا لا علاقة لهم أصلًا بالحرب، وبالتالي صارت الألغام كابوسًا يؤرق البشر في أماكن كثيرة من العالم.
ويكفي أن نعلم بأن عدد الألغام التي لم يتم اكتشافها بعد يقدر بـ 125 مليون لغم في أكثر من 60 دولة، وما زالت هذه الألغام تبتر أطراف حوالي 20 ألف إنسان في كل عام، أكثرهم من المسلمين!!
ومما يزيد من ثقل هذا الكابوس أن إزالة الألغام مازالت عملية شاقة وبطيئة وتنطوي على كثير من المخاطر، كما أن الألغام صارت تصنع من مادة البلاستيك مما يجعلها عمليًا غير قابلة للاكتشاف.
تاريخ الألغام:
استعلمت الألغام للمرة الأولى خلال الحرب الأهلية الأمريكية، وفي الحرب العالمية الأولى أدى استعمال الدبابات في القتال إلى استعمال ألغام أكبر حجمًا مضادة للآليات، وكانت آنذاك بدائية سهلة الاكتشاف، وبالتالي كان يمكن للعدو أن يعيد استعمالها ضد آليات الفريق الذي زرعها، ومن هنا نشأت فكرة تصميم ألغام مضادة للأفراد بهدف حماية الألغام المضادة للآليات عبر منع جنود العدو من إزالة واستعمال الألغام المزروعة، ولتشكل حاجزًا يحول دون وصول الأفراد إلى بقعة معينة.
ثم بدأت فكرة تطوير الألغام المضادة للأفراد تتسارع، ومنذ العام 1918م صار إنتاج واستعمال الألغام المضادة للأفراد من الأولويات في الاستراتيجيات العسكرية.
إلا أن الزرع العشوائي للألغام لم يبدأ إلا في الستينات، حيث كانت تلقى آلاف الألغام من الطائرات، علمًا أن تدني أسعار الألغام وفاعليتها في عرقلة تحرك القوات المسلحة عوامل أسهمت في ترويج استعمالها؛ فكلفة صناعة اللغم الواحد تتراوح بين 3 - 30 دولارًا أمريكيًا، في حين أن كلفة إزالته تبلغ من 200 إلى 1000 دولار .. إنها المفارقة!!
أنواع الألغام:
فنيًا تقسم الألغام إلى ثلاث فئات، هي:
1)الألغام المضادة للأفراد: وهي متعددة الأنواع وتصنع في نحو 60 بلدًا، وحجمها صغير نسبيًا، وتحوي كمية متفجرات تتراوح بين 10 و 250 غرامًا تنفجر إثر تعرض أجهزة الإشعال الخاصة بها لضغط يتراوح بين خمسة كيلو غرامات، وخمسين كيلو غرامًا.
2)ألغام مضادة للآليات: تحوي عادة بين 2 و 9 كيلو غرامًا من المتفجرات، وتنفجر إثر تعرض أجهزة الإشعال الخاصة بها لضغط يتراوح بين 100 و 300 كيلوغرامًا.
3)الألغام المضيئة: لا تحتوي على أية متفجرات، وهي مخصصة لإنارة المناطق الصالحة للتسلل في الليل.
ويمكن أن نضيف نوعًا رابعًا وهو: الألغام البحرية التي صارت تصنع بأشكال وأحجام مختلفة، وبنفس الأنواع السابقة، فهناك ألغام بحرية مضادة للغواصين والضفادع البشرية، وأخرى مضادة للسفن والغواصات .. وخطورتها تعادل خطورة الألغام الأرضية من جهة أنها تبقى في البحار بعد انتهاء الحروب، وتنفجر بمدنيين أو مراكب بحرية مدنية.
وزرع الألغام قد يتم يدويًا أو آليًا بواسطة زراعة ألغام، كما يمكن أن ترمى بواسطة الطائرات، أو تقصف بواسطة المدفعية، وفي بعض الأحيان يتم زرع حقول ألغام مضادة للأفراد بناء على مخططات محددة ومنتظمة، وبسبب العوامل الطبيعية والظروف المناخية يمكن للألغام أن تنتقل من مكان لآخر؛ كأن تنجرف بواسطة الأمطار والسيول والرمال، وبالتالي فإنه يصبح صعبًا في بعض الأحيان تمييز المناطق الموبوءة بالألغام من المناطق النظيفة، ومع مرور الزمن تحافظ الألغام على خطورتها، وقد تصبح أكثر خطورة، ويمكن أن تنفجر بسهولة أكبر لإنها صدئة وأكثر حساسية.
استنكار .. واستنكار!!
يمكن القول أن كل ما فعله العالم في ظل التفوق النصراني الغربي الذي لا يعبأ بالبشر تجاه كابوس الألغام هو الاستنكار وإبرام المعاهدات، وإصدار البيانات، دون أن يحد هذا كله من ازدياد متسارع في أعداد الألغام التي تزرع والضحايا التي تقع.
ففي شهر ديسبمر من عام 1996م استنكرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ازدياد ظاهرة استعمال الألغام، وأصدرت قرارًا يحظر بشكل شامل الألغام وتخزينها واستعمالها وزرعها، فأيدت أكثر من 150 دولة القرار بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الكبرى؛ ولكن تبين فيما بعد أن أكثر من 64 دولة من هذه الدول استمرت في صنع الألغام واستيرادها وزرعها.
وفي نهاية عام 1977م وقعت 72 دولة على اتفاقية"أوتاوا"التي تحظر حظرًا تامًا إنتاج وتخزين وزرع الألغام المضادة للأفراد؛ ولكن بقي زرع هذه الألغام مستمرًا في دول كثيرة، منها؛ أفعانستان وأنجولا وكمبوديا والبوسنة وعلى طول الحدود الصينية وفي جنوب لبنان ... ويكفي أن نعلم بأن جمعية الصليب الأحمر الدولية قدرت عدد الألغام المزروعة في العالم بعد اتفاقية"اوتاوا"، أي منذ عام 1977م وحتى نهاية 1999م بـ 26 مليون لغم.
الألغام في العالم العربي:
العالم العربي له حصته من كابوس الألغام؛
· فالأردن يعاني من الألغام التي تمتد على طول الواجهة الشمالية والغربية للبلاد، وهي حقول زرعت من قبل القوات المسلحة الأردنية والقوات الإسرائيلية، ويقدر عدد هذه الألغام في الأردن؛ 303431 لغمًا، وقد بلغ مجموع الإصابات حتى الآن أكثر من 400 شخص.
· وفي العراق تسببت الألغام بقتل أو إعاقة نحو مليون شخص.
· ويقدر عدد الألغام في اليمن بنحو مليون ونصف، وهي تتسبب بسقوط 15 ضحية شهريًا بين قتيل وجريح.
· وفي مصر يبلغ عدد الألغام 22 مليونًا، وقد أدت إلى إصابة وقتل 8313 مصريًا.
· ولا تزال الألغام في ليبيا من مخلفات الحرب العالمية الثانية تؤدي إلى إصابات خطيرة.
· وتعاني الجزائر أيضًا من الألغام التي بلغ عددها 374000 لغم.
· وفي السودان يوجد 2 - 5 مليون لغم، ويفوق عدد الإصابات التي تم إحصاؤها حتى الآن 700 ألف إصابة.
· ولايزال عدد الألغام المزروعة في لبنان مجهولًا، وإنما يقدر عددها بنحو 1 - 5 مليون لغم.
الصراع ضد الألغام:
بالنسبة للمدنيين لا يمكن حتى الآن سوى توجيه النصائح لهم وتوعيتهم لإبعادهم قدر الإمكان عن خطر الألغام.
ونموذج هذه النصائح النشرة التي قام الصندوق الدولي للتأهيل بتوزيعها في لبنان يوم 25 مايو 2000م عقب خروج القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، والنصائح هي:
· ابتعد عن الأماكن المشبوهة.
· تعرف على الطرقات الآمنة للعبور.
· لا تحاول العبور أبدًا في حقل أو طريق غير معبد، أو تشك أنه كان خط حماية أو ميدان حرب أو مسرح قتال.
· حاول أن تسأل الناس في الجوار عن طريق آمن.
· ربما توجد إشارات حمراء أو أشرطة أو أسلاك شائكة تدل على وجود الألغام، فلا تحاول تجاوزها مهما كانت الأسباب.
· تجنب لمس الألغام، أو القنابل العنقودية والأجسام الغريبة والذخائر غير المتفجرة.
· لاترم شيئًا عليها.
· لا تحاول فكها.
· حذر الآخرين.
· حاول السيطرة على اندفاعك وحشريتك، فقد تدفع ثمنهما حياتك.
أما على المستوى العسكري، فما زالت الجهود تجري لتصميم نماذج من وسائط الكسح الميكانيكية والتفجيرية الهندسية القادرة على تحييد الألغام، وبالإضافة إلى ذلك يستمر البحث عن طرق جديدة غير تقليدية لإزالة خطر الألغام المكتشفة كاستخدام النبضة الكهرطيسية القوية لتعطيل الادارات الالكترونية للمفجر، والنبضة الكيميائية لتخريب أجزاء اللغم، والرغوات السريعة التجميد لتحييد عمل الناقل، وبانتظار التوصل إلى تلك النماذج المتطورة يبقى اعتماد الجيوش على الكاسحات الحالية التي تعمل على فتح ممرات في حقول الألغام أثناء العمليات العسكرية.
وبين هذا وذاك تبقى الألغام كما قلنا هي الكابوس في عدد كبير من دول العالم لاسيما كثير من الدول الإسلامية التي ملئت أراضيها بحقول الألغام، والتي تطل كل يوم على أهلها بمآسي جديدة، ولا يعرف أحد غير الله سبحانه كيف سيتم التخلص من هذا الكابوس.
[عن مجلة؛ الجندي المسلم / العدد 102]