يعاني المقاومون والمخلصون في الوطن كله - في فلسطين وفي سجونها - يعاني هؤلاء من ظاهرة خطيرة متفشية كالطاعون أو الجذام أو السرطان، هي ظاهرة الجواسيس، أو العملاء، أو العصافير، أو الخونة، أو المنافقين، أو المتعاونين، كما يحبون ان يتسموا، وعلى كل تنوعت الاسماء والعناوين والتجسس واحد ... والخيانة واحدة.
واليهود المفسدون في الارض، اعداء الدين والانسانية والفطرة والقيم، دأبوا منذ احتلوا فلسطين على تجنيد ساقطي النفوس، هابطي القيم والاخلاق، المرضى والمنخورين، دأبوا على تجنيدهم في تنظيمات للخونة، وبثّوهم عيونا في أرجاء الوطن يحصون الانفاس، والحركات والسكنات، ويتتبعون تحركات المطاردين للمستعمر الصهيوني، ويرصدون المتدينين، ويقيسون نبض الناس، ويجعلون العدو في صورة ما يجري أولًا بأول وبأدق التفاصيل.
فمن العملاء من هم في جيش المستعربين، ومنهم قصاص الاثر، ومنهم من يخبرون عن المجاهدين لتتم تصفيتهم، ومنهم من يصفي بيده.
هذه الظاهرة، أخطر من كل ما نتصور، وأبعد اثرًا من كل ما نتوقع، وهم أنفع لليهود من جيش دفاعهم ومن كل اجهزتهم ... ولقد احتج"جبريل"يومًا على ان اليهود يطاردون أبا هنود بأنفسهم، وقال: لو أنهم أوكلوا إلينا المهمة لما تكبدوا هذه الخسائر، وصدق فهم أقدر واقذر.
هذه الظاهرة قديمة جديدة متجددة، علينا ان ندرسها، لندرك خطرها بحجمه، ونتلافى ضررها، ولنعلم كيف نعالج هذه الظاهرة.
أما انها قديمة، فمؤكد، فمنذ كان الانسان وفي نفسه الضعف والهوى والقابلية للسقوط، فاذا وجد من ينفذ من هذه الثغرة، ويوظف نقاط الضعف، ويستغل هذا التكوين الانساني، نجح في ايجاد الجواسيس. ويكثر أمثال هؤلاء ان وقعت البلاد تحت قبضة الاستعمار ..
ولا نريد ان نستعرض التاريخ فقد بات معروفًا انه كان من بين الفرنسيين متعاونون مع الالمان، ومن بين الألمان متعاونون مع الحلفاء، ومن روسيا عملاء للامريكان، ومن أمريكا عملاء للروس، وفي كل ما ذكر عملاء للصهيونية ودولتها - اسرائيل -
أما من تاريخنا فمن أشهر الامثلة الوزير ابن العلقمي الذي فتح بغداد للتتار ودلهم على ثغراتها، فكان جزاؤه ان كان أول من قتله التتار بعد ان فتح لهم أبواب الاسوار، فكان جزاء سنمار.
فهل يعتبر الخونة مما جرى لهذا المجرم؟
الجواب؛ انه لا اعتبار!
وقديمًا كان العدو يحتقر العملاء، فعندما أراد عميل اسباني ان يسلم على نابليون رمى له صرة مال وقال: انت تريد المال فهاكه، ولا يشرفني ان أسلم عليك ولا على العملاء من أمثالك ... وهذا جزاء من خان وطنه.
وقد حدثنا القرآن الكريم عن ظاهرة النفاق، هذا المصطلح القرآني العجيب الفذ، المشتق من النافقاء، جحر الضب، ذو المنافذ المتعددة، ومنه النفق، ففي المصطلح اشارة الى التخفي والتعدد ... هذا المصطلح الذي حدثنا عن ظاهرة الساقطين والمتساقطين. والغريب أنهم كانوا عملاء للعدو ذاته ... لليهود.
وقد حدثنا القرآن في كل سورة مدنية عن هذه الظاهرة السرطانية، وعن عمق الولاء لليهود، وعن جذرية الارتباط بهم وجدليته، وعدهم منهم وان تسموا بأسماء عربية أو ادعوا الاسلام. ولقد اختصر القرآن ذلك كله حين قال عنهم في كلمتين:"هم العدو"على سبيل الحصر والقصر.
فاذا اختصرنا، وقفزنا على ذرى الزمن لنصل الى بيت القصيد، معركتنا المقدسة مع عدو الاسلام والانسانية الاول؛ اليهود، لندرس - بايجاز بما يتناسب مع هذه العجالة - هذه الظاهرة، ونقف على خفاياها وخباياها وزواياها، وطواياها ... في الزمن الراهن، فانه بالطبع ليس يغيب عن البال ايلي كوهين الذي اخترق أدق أسرار جبهة الشمال ونقل الى العدو بالتفاصيل كل ما يجري على الجبهة، ومكناه بأيدينا من مقاتلنا ومفاصلنا ونقاط قوتنا وضعفنا.
ولا يغيب كذلك عن الذهن جاسوس خطير هو باروخ نادل على جبهة الجنوب حيث زار كل القواعد الجوية ونقل معلومات عنها الى العدو اولًا بأول.
وليس الذي يشغل بالنا بالدرجة الاولى يهود يدعون العروبة والاسلام ينبثون بيننا، وانما بنو جلدتنا وقوميتنا ووطننا الذين يبيعون دينهم واخوانهم بثمن بخس، فيلقون الله غدًا بدماء اخوانهم وخيرة المجاهدين من شعبهم في مقابل فتات. فجاسوسنا رخيص، ولا يدري هذا المجرم المستغل، أنه لو تقاضى الملايين لا الملاليم لكان الثمن بخسًا، لأنه سيكون - باذن الله - مخلدًا في جهنم ... لان الذي يتولى اليهود يهودي مثلهم: {ومن يتولهم منكم فانه منهم} ، والنص شامل لكل صور الولاء التي اخطرها ما يصنعه الخونة المتعاونون مع مستعمر بلادهم وشعبهم.
وأخطر صور التعاون من يتقمص ثوب الوطنية والنضال احيانًا، ويكون في الباطن مرتبطًا بالعدو.
ولقد حدثنا الجيل السابق كيف كان المستعمر يصنع الجواسيس بأثواب الوطنية، فقد أتوا بأحد المرتبطين بهم، وقالوا: نريد ان تشكل خلايا مقاومة، فتعوذ بالله، فأفهموه ان المسألة مفتعلة، ثم رسموا له خطة ان يهاجم دورية وحددوا له المكان، وان يطلق النار، وكم بندقية سيغنم، ليصنعوا منه في نظر الشعب بطلًا، ثم ليجند بعد ذلك عشرات الشباب ليزج بهم في معركة وهمية فيقتلون أو يلقى عليهم القبض ليقع الشعب في الاحباط.
اما العصافير الذين في السجون فحدث ولا حرج، فهؤلاء ينتزعون الاعترافات التي لا يستطيع العدو على عتوه ان ينتزعها، اذ يعذبون السجين الوافد اليهم، باعتبارهم وطنيين، وباعتباره دسيسة زج بها اليهم لينتزع منهم اسرارًا، فحتى يبرئ المسكين نفسه يعترف لهم، ليجد نفسه بعد ساعات في مكتب التحقيق مع الضابط الاسرائيلي مواجهًا بالاعترافات.
وطرائق الكيد والمكر لا تنتهي، وأساليب الخداع لا تتوقف، وفي كل ساعة كيد جديد، وأسلوب مبتكر.
وأقول: انه لولا المتعاونين ما تمكن اليهود من اربعة أخماس ما نفذوا من عمليات وما قتلوا من قيادات.
أما أساليب التجنيد؛
فالتهديد، والباس الشخص البريء تهمة، لا مخرج منها الا ان يعمل للموساد، أو الاغراء بالمال، وهو تافه، حتى لقد قيل لنا ان بعضهم لا يتقاضى اكثر من عشرين دينارًا. وأخطر أساليب التجنيد الاسقاط الذي برع فيه اليهود. وبات هذا معروفًا لا يحتاج الى بيان.
أما لماذا كان عمل اليهود سهلًا نسبيًا في اصطياد افراد منا؟
فنقول: ان الجماهير ليست محصنة بالتربية الدينية والوطنية [1] الواعية الحاسمة، لم تدرسهم المناهج قضية الولاء للاعداء وأنها تذهب بالايمان وتجعل فاعل ذلك مخلدًا في جهنم لانه مشرك شركًا أكبر؛ {وان أطعتموهم انكم لمشركون} .
وينبغي ان تصدر تحذيرات وتوعية دينية، ان كل متعاون حلال الدم أولًا، ثم كافر لا يصلى عليه ثانيًا، ثم لا يزوج ولا يعامل وتتبرأ منه عشيرته واهله، بل ينبغي ان يكونوا أول من يحاول قتله، ولا تقبل توبته الا اذا مهرها بدم الضابط الذي كان يتعامل معه، ثم يعود لينخرط في مجتمعه وأمته.
ان أخطر الرموز لم يوصل إليهم الا عبر جسر العملاء، فهل نظل نتردد في بيان حكمهم، وتضبيب الموقف وتمييع الرؤية حتى يأتوا على آخر الشرفاء؟
أقول: وان من أسباب سهولة التجنيد سيادة القيم المادية في الحياة والمجتمع وينبغي ان تعود الخطب والتوعية الدينية لتركز على القيم الاخروية والمعنوية بدل التكاثر والتباهي بالاشياء، وبدل المعارك الدونكيشوتية الوهمية مع فرق انقرضت منذ ألف ومئتي سنة ونيف.
ومن أسباب سهولة التجنيد؛
تفكك الاسرة وتفكك المجتمع، والعشائرية.
وقد تظنون التناقض في الكلام، فكيف تتكلم عن التفكك ثم العشائرية؟
وأقول؛ لا تناقض. فالعشائرية هي الغطاء لهؤلاء ولو رفع الغطاء واستحلت منهم الدماء لانتهوا. فتظل العشيرة معطلة حتى يجند ابنها فاذا قتله الشرفاء، ثارت الدماء، وقامت الاصوات تعلو بالنداء ... والثأر حتى الارتواء.
ومن أسباب هذه الظاهرة؛ اعتقادهم بضعف أمتهم وقوة عدوهم، وعلاج هذا باليقين ... ان النصر لهذا الدين والعاقبة للمتقين.
ومن أخطر اسباب فشو ظاهرة العملاء؛ ان العملاء اليوم يتبوأون ارفع المراكز. فالاختراق بالغ النخاع في الاجهزة المعنية في فلسطين ... وهل تتوقع ان يطارد العملاء؛ العملاء، وان يلاحق الخونة؛ الخونة؟ بل انه كان من ضمن شروط اتفاق"اوسلو"احتواء العملاء ..
ان السلطة تحتج اذا قتل عميل، ويعلن مسؤولوها؛ ان هذا انتهاك للسيادة والسلطة! ... التي تظل معطلة والعدو يمارس الذبح والتصفيات.
أحسب ان هذه الظاهرة تحتاج الى وقفة أخرى، لكنا نكتفي اليوم باشارة عابرة، ولمحة سريعة الى ظاهرة حذر منها القرآن، وجعل اصحابها في الدرك الاسفل من النار، وجعلهم العدو الاخطر من العدو الظاهر أو الاظهر، ولعل الاشارة اليهم في قوله تعالى في سورة الانفال: {واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واخرين من دونهم، لا تعلمونهم، الله يعلمهم ... } .
ولعل نصر الامة يكون قريبًا حتى يتجلل هؤلاء بالخزي الاعظم، ويلقون الجزاء؛ {فعسى الله ان يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} .
[بقلم؛ د. احمد نوفل]
1)يعود وقوع بعض ضعاف النفوس في شباك العمالة لغياب الوعي الديني والإيماني، ويكفي ان نعلم ان أشد الناس عمالة وولاء للكافرين وخيانة للامة هم المتشدقون بالمصالح الوطنية! للرد على زعم ان غياب التربية الوطنية - التي هي في ميزان الإسلام نعرة جاهلية مرفوضة - أحد أسباب تلك الظاهرة [المنبر] .