المسلمون والبحر:
ارتبط موضوع الجهاد في أذهان المسلمين وفقهائهم بالبر أكثر من ارتباطه بالبحر. والسبب في هذا واضح: هو أن العرب في أساسهم أمة برية، وأنهم عندما شرعوا في حركة الجهاد وإبلاغ الدعوة الإسلامية، اعتمدوا على الجيوش والخيول التي زحفت برًا؛ لتطيح بدولة الفرس، وتقتطع من دولة الروم أثمن أجزائها.
ولكن الموقف تغير بعد أن فتح المسلمون بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا؛ إذ غدت دولتهم ذات شواطئ طويلة تشمل السواحل الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط؛ وعندئذ أحسوا بالحاجة الماسة إلى قوة بحرية تدافع عن سواحل دولتهم الجديدة.
وأدرك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو والٍ على الشام أن الروم يتخذون جزيرة قبرص قاعدة لأعمالهم الحربية ضد موانئ الشام ومصر، وأرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطلب منه السماح بركوب المسلمين في البحر لغزو قبرص؛ ولكن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاف أن يعرض أرواح المسلمين للخطر في عملية ضخمة من نوع جديد، فرفض الاستجابة لوالي الشام.
ولم يصعب على معاوية رضي الله عنه الحصول على موافقة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد ذلك؛ ففتح المسلمون جزيرة قبرص سنة 28هـ. وتستمد هذه الجزيرة أهميتها من موقعها الجغرافي، فهي تحتل ركنًا متميزًا في الزاوية الشمالية الغربية من البحر الأبيض المتوسط. وقد أعطاها موقعها هذا سهولة التحكم في مياه غربي المتوسط عسكريًا وتجاريًا؛ إذ يقترب طرف جزيرة قبرص الشرقي من خليج الأسكندرية الذي يقع خلفه الممر التجاري المهم، الممتد من ساحل المتوسط إلى شمال العراق، وكان هذا الطريق من أهم المسالك التجارية التي عبرتها القوافل المحملة بالمنتجات الشرقية إلى أسواق المتوسط وبالعكس، وحرصت القوى المختلفة على السيطرة عليها.
المسلمون والثقافة البحرية:
سرعان ما نمت قوة المسلمين البحرية، وزالت خشيتهم من ركوب البحر؛ حيث أنزلوا بالروم هزيمة بحرية كبرى في موقعة ذات الصواري سنة 34ه، وهي من أكبر المعارك البحرية التي شهدها البحر الأبيض المتوسط عبر التاريخ. ولم يلبث أن تحول المسلمون في البحر من الدفاع إلى الهجوم، فاحتلوا كثيرًا من جزر البحر الأبيض المتوسط وعلى رأسها صقلية، وسردينيا، وكريت وأقاموا لأنفسهم مراكز على الشواطئ الجنوبية لأوروبا. بحيث لم يعد البحر بحيرة رومانية نصرانية مثلما كان الحال من قبل. وبدأ عصر الإسلام في دنيا البحر المتوسط.
وأقام عبدالملك بن مروان قاعدة بحرية في قرطاجنة، وقوي الأسطول الإسلامي حتى عبر إلى الأندلس. واهتم حكام المسلمين بعده وخاصة في مصر والشام وشمال إفريقيا والأندلس بأمر الأساطيل البحرية؛ فحاصروا القسطنطينية أكثر من مرة، وفتحوا الكثير من جزر البحر، وأقاموا مستوطنات على شواطئ جنوب أوروبا، وازدادت هذه العناية بالأساطيل والقوة البحرية في عصر الحروب الصليبية في البحرين المتوسط والأحمر؛ لمواجهة تهديد الصليبيين الذين بلغت بهم الجرأة حد بناء السفن، وحمل أجزائها مفككة إلى مياه البحر الأحمر؛ حيث يتم تركيبها لتشحن بالرجال والسلاح في محاولة لتدمير مقدسات المسلمين في الحجاز!
وأسس الملاحون المسلمون ثقافة بحرية إسلامية كاملة من خلال ماكتبوه، وما كتب أو نقل عنهم في كتب التراث. ومن المعروف جيدًا أن رجال البحر الأوروبيين في القرن الخامس عشر كانوا في كثير من الأمور تلامذة للبحارة المسلمين، فالبحار البرتغالي (إنفانت إنريكو) وهو الذي يرتبط اسمه بفتوحات البرتغاليين الجغرافية قد استفاد من خبرة البحارة المسلمين في شمال إفريقيا، وبفضلهم استطاع البرتغاليون أن يتوصلوا إلى عمل خرائط، وأدوات للملاحة، وأن يحسنوا طاقم سفنهم، وبفضل تأثير المسلمين أيضًا على مايبدو استطاع البرتغاليون أن يبنوا نمطًا جديدًا من السفن له نظام جيد لشد القلاع والتحكم فيها.
رجال الأسطول:
أما رجال الأسطول فكان على رأسهم مقدم الأسطول الذي أطلق عليه اسم أمير البحر، ومنه اشتق لفظ (أدميرال) في اللغات الأوروبية. ويعاون المقدم مجموعة من القادة ثم الريس فالجنود المقاتلون. واشترطوا في مقدم الأسطول أو أمير البحر أن يكون كامل العقل، ثابت القلب، تام الشجاعة، وافر اليقظة، كثير الحذر. شديد الحزم، بصيرًا بأحكام الحروب ومواضع الفرص منها، عارفًا بالحيل والمكايد والخداع فيها.
هذا بالاضافة إلى معرفته بأحوال البحر وطبيعة البلاد التي يغزوها، والشواطئ التي يقترب منها.
وتألف الأسطول الإسلامي من مراكب مختلفة في أشكالها ووظائفها. وكانت قطع الأسطول البحري الإسلامي مؤلفة من"المركب"و"السفينة"وهما اسمان يطلقان على كل قطع الأسطول التجاري أو الحربي:"الشونة"و"الحراقة"و"الطريدة".
ويصف ابن خلدون كيف كان للأسطول الإسلامي السيادة والسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، وكيف أوقع الرهبة في أساطيل الأعداء وأرغمها على أن تلزم حدودها فيقول:"وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من (البحر المتوسط) من سواحل الأفرنجة والصقالبة وجزائر الرومانية، لا يعدونها، وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد على فريسته، وقد ملأت الأكثر من بسيط هذا البحر عدة وعددًا، واختلفت في طرقه سلمًا وحربًا، فلم تظهر للنصرانية فيه ألواح".
بين القرصنة والجهاد:
القرصنة لفظة إيطالية [ CORSARO] من [ CORSA] أي تسابق ومطاردة، وأطلقت هذه الكلمة في الأول على سفينة مسلحة يقوم أصحابها بالاعتداء على السفن التجارية التي تخترق البحار خصوصًا في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. وكان ذلك يقع أيام نشوب الحروب بين الدول الأوروبية، ولم تكن تلك السفن القرصانية تابعة لدولة من الدول، وإنما يتصدى أصحابها لهذا العمل الإجرامي من عنديتهم ولفائدتهم. ولكن الدول الغربية رأت فيها مصلحة لها فغضت النظر عنها؛ بل أخذت تساعدها وتعترف بها حتى في إبان السلم وتمنحها الصبغة الرسمية بتمكينها من أوراق اعتماد تبيح لها بمقتضاها الاستيلاء على نصيب وافر من غنائمها.
ويبدو أن الونشريسي الأندلسي كان مطلعًا على أعمال لصوص البحر وجرائمهم اطلاعًا كافيًا حمله على الإفتاء مثلًا بسقوط الكراء عمن اكترى مركبًا فعرض له لصوص في عرض البحر، وأخذوا المركب بما فيه؛ لأن المفروض في كراء السفن البلاغ إلى البر، وإبلاغ المكتري إليه."إن المسلمين إذا غزوا في البحر ووجدوا مركبًا يحمل بضاعة وعلموا أنه ليس للعدو لم يجز لهم أن يحدثوا فيه حدثًا؛ بل يجب عليهم حفظه بما فيه من الأموال، حتى يردوه بأسره إلى أهله إذا عرفوهم امتثالًا لقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] [1] ."
ولكن المسلمين اضطروا لمواجهة الغارات العدوانية إلى اتخاذ سفن مسلحة وذلك بكل بلاد المغرب العربي من طرابلس إلى المغرب الأقصى، ويطلق عليها المراكب الجهادية؛ لأنهم اعتبروا أن هذه الاعتداءات صادرة بدوافع من العداء للإسلام.
وقد تساءل المؤرخ النصراني (لاطري) عن مدى التبعة التي يتحملها كل من النصارى والمسلمين في أعمال القرصنة خلال الفترة التي أعقبت غزوات المسلمين والتي يمكن أن توسم بأنها عهد سلام وتجارة آمنة؛ فلاحظ أن إحصاء الجرائم التي كان البحر الأبيض المتوسط مسرحًا لها بين القرنين الحادي عشر والسادس عشر الميلاديين من شأنه لو تم أن يحمّل النصارى قسطًا كبيرًا جدًا من مجموع عمليات النهب والتخريب البحرية، التي ينسب المؤرخون ويلاتها إلى الأفارقة. فإذا بيّن التاريخ أن النصارى كانوا أكثر من غيرهم تضررًا من القرصنة الإسلامية؛ فما ذاك إلا لكون تجارتهم كانت أوسع، وشواطئهم عرضة للاكتساح؛ ولأن تاريخهم العام أوضح وأجلى عند مؤرخي العرب من التاريخ العربي. فقد شهد المؤرخون النصارى بالمصائب الكبرى التي ارتكبها قراصنتهم [2] .
هكذا اقتحم المسلمون البحر وأصبحوا سادته، ونظموا قوانينه، وقديمًا قيل:"من يحكم الموج يحكم العالم". فأين نحن اليوم بالنسبة لهذه المقولة، مع العلم أن جل الدول الإسلامية تقع على البحر!
[عن مجلة الجندي المسلم / العدد 105]
1)انظر كتاب"المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب"الجزء الثامن، ص: (302 303) طبع في بيروت سنة 1981م.
2)انظر دراسة الأستاذ الباحث عبدالعزيز بن عبدالله:"ألف سنة من كفاح المغرب ضد القراصنة في البحر الأبيض المتوسط"التي شارك بها في ندوة أكاديمية المملكة المغربية تحت عنوان (القرصنة والقانون الأممي) في شهر أبريل 1986م، ص: (36) .