فهرس الكتاب
إن مما يجب أن يوطن المجاهد نفسه عليه ويعتاد، وقد ارتضى لنفسه طريق الهجرة والجهاد، الصبر على مشقة هذا الدرب الذي سلكه، وتحمل الابتلاء والامتحان المصاحب له في رحلته الطويلة لإقامة خلافة الله في الأرض، فالابتلاء والمحن سنن ربانية لا تتغير، ونواميس كونية لا تتبدل، هكذا أراد وقدر مبدع هذا الكون وبارئه لحاملي الرسائل السماوية، ومبلغي الأمانة الربانية، فهو طريق واحد لابد أن يعبر من خلاله كل مؤمن حمل دعوة، أو كُلف بتبليغ رسالة، أو أراد أن يصنع مجدًا لأُمته، أو ينشر مبدأ أو ينهض بأُمة.
ولقد أصاب جيل الإسلام الأول من المحن والأرزاء ما أصاب، ونزل فيهم من الآيات ما نزل، وقد اشتدت بهم عواصف المحن، ونالت منهم جراحات الأعداء، وحاصرتهم أمواج الكفر، تثبيتًا لهم وتصبيرًا، ومواساةً لهم وتسليةً، وتعليمًا وإرشادًا لمن يأتي بعدهم، ليتأسوا بهم ويقتفوا أثرهم بالصبر والمصابرة، ففي غزوة الخندق نزل قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلَا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} .
قال شيخ المفسرين الإمام الطبري: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من"البأساء"- وهو شدة الحاجة والفاقة"والضراء"وهي العلل والأوصاب"ولم تزلزلوا زلزالهم"يعني: ولم يصبهم من