إن التحرز من العدو بأخذ الحذر منه إنما هو سنة ربانية، ومقصد مطلوب من مقاصد الشريعة الغراء، وسنة من سنن التمكين والنصر، وهو عمل الأنبياء والرسل وأتباعهم، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا .. } ، وقال في شأن مؤمن آل فرعون: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ .. } ، وقال جل في علاه في شأن أصحاب الكهف: {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا.} ، وقال سبحانه وتعالى آمرًا
أصحاب نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بأخذ الحيطة والحذر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} . قال القرطبي رحمه الله في قوله تعالى:"وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم"، هذا وصاة بالحذر وأخذ السلاح لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته. [1]
وقال سبحانه وتعالى حاثًا المؤمنين على استحضار هذا الجانب المهم لدرء مكر العدو، وإحباط شره، ورد كيده في نحره: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ، قال الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره:"وَخُذُوا حِذْرَكُمْ"، والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض، أمرهم مرة أخرى
(1) - تفسير القرطبي ج 5 ص 371.