فهرس الكتاب
إن من مكارم الأخلاق ومحاسنها، وعلامة النبلاء وشيمهم، وخصال المتقين، كظم الغيظ والعفو عن من أساء، والتجاوز عمن ظلم وأذى، والعفو مندوب إليه موعود بالثواب فاعله كما قال الجصاص في أحكام القرآن، ولقد أثنى العلي القدير في كتابه الكريم على من اتصف بصفات الخير من كظم الغيظ والعفو والإحسان فقال سبحانه وتعالى عن صفات المتقين: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، قال السعدي رحمه الله: {والكاظمين الغيظ} أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل- هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. {والعافين عن الناس} يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} . ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان، فقال تعالى: {والله يحب المحسنين} . [1] ومن ذلك أيضًا في كتاب الله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ
(1) - تفسير السعدي ص 148.