فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 288

التذكرة الأربعون، في: معايشة الواقع

إن مما يجب أن يعلمه كل مجاهد أن معايشة الواقع بكل جزئياته والانغماس في دواخله والتعاطي معه، ثم العمل من خلاله للوصول إلى أفضل النتائج التي يرجوها، وتحقيق ما يرنو إليه، هو الطريق الأمثل الذي يجب أن يسلكه، ويؤمن بجدوى نفعه، فمن المعلوم لكل ذي بصيرة أن ميدان الجهاد ليس ميدانًا مرسومًا بريشة رسام مبدع قلما تخطأ ريشته، بل هو ميدانٌ واسع رحب يتسع للكثيرين، وهناك بون شاسع بين الشيء الموجود في واقع الحال، وبين الشيء المنشود الذي ترجوه، فالذي يمني نفسه ويرسم له في عالم الخيال والفكر، نموذجًا معينًا وحالةً فريدةً لا مجال فيها للخطأ، يجب أن يدرك أنه قد جانب الصواب، ولم يحالفه الحظ في الوصول إلى مبتغاه، يجب أن يدرك كل ناصح لنفسه أن عالم النظريات ودنيا الأحلام، غير عالم الواقع وغير عالم اليقظة، إن سحب المثالية غالبًا ما تنتج سرابًا يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

إن الذي يسعى إلى التغيير لا بد أن يترك برجه العاجي، ويتخلى عن أحلامه، ويشمر عن ساعد الجد، وينزل إلى أرض الواقع، ويكابد مشاق الطريق، وغصص الرحلة حتى يحقق بعضًا مما علق بذاكرته.

إن بنات الأفكار ستبقى منحوتة في صخر الذاكرة إلى أن ينزل بها صاحبها ثم يكد ويجتهد ويواصل الليل بالنهار حتى يراها ماثلةً حية في دنيا الواقع وعالم الناس، وبغير ذلك ستبقى حبرًا على ورق، ونقشًا بديعًا جميلًا يصول ويجول في عالم الخيالات دون أن يرى نور التحقق في يوم من الأيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت