فهرس الكتاب
اعلم علمني الله وإياك أن الشُّورى قبل إبرام الأمر فضيلة نبيلة، وشيمة كريمة، وديدن الفضلاء، وعلامة العقلاء، وهي كما قال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن: أُلفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا. اهـ
وهي أيضًا كما قال الإمام الطرطوشي المالكي رحمه الله: مما تعده الحكماء من أساس المملكة، وقواعد السلطنة، ويفتقر إليها الرئيس والمرؤوس. قال ابن الأزرق: هو كذلك في الشريعة حرفًا بحرف. [1]
والشورى قديمةٌ قِدم الأمم، فهذه بلقيس تستشير أهل الرأي والسداد، وأولي الأفهام، وأرباب العقول لتستجمع قواها وتستعين بآرائهم على ما ستقدم عليه، ليكون لها بذلك السداد والرشد في الأمر: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} .
ولمنزلة الشورى العظيمة فقد ذكرها عز وجل مع الإيمان والصلاة قال الإمام الجصاص في أحكام القرآن: {وَاَلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} يدل على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدل على أننا مأمورون بها. [2]
وقد أثنى العلي القدير في كتابه الكريم على الذين إذا وقعت بينهم واقعة تشاوروا فيما بينهم، ولم ينفرد أحدهم برأي مهما كان حصيفًا دون المشاورة، وذلك لأن الإحاطة
(1) - انظر بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق.
(2) - أحكام القرآن ج 5 ص 263.