إن السمع والطاعة لمن ولاه الله أمرًا من أمور هذا الدين، أو حمله شأنًا من شؤون المسلمين في محل ولايته، عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، حيث أن طاعة أُولي الأمر من المؤمنين هي في الأصل طاعة لله ولرسوله كما تحدثت بذلك الأحاديث النبوية، وقد أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله، ونقل هذا الإجماع القاضي عياض وآخرون كما ذكر ذلك النووي رحمه الله، وللمكانة العظيمة للسمع والطاعة في الإسلام، فقد ذكرها ربُّنا العلي القدير في كتابه الكريم، آمرًا أهل التوحيد بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أُولي الأمر، فقال جلّ ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .
قال الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته جل وعز أولًا، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيًا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثًا، على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم. [1]
وقد اختلف أهل العلم في المقصود بأُولي الأمر كما ذكر ذلك الطبري في تفسيره، قال رحمه الله: اختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في
(1) - تفسير القرطبي ج 5 ص 259.