فهرس الكتاب
تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه، واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد، ولا صبر، وأن حكمته تأبى ذلك، فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم. [1]
فهذه بعض من تلك الحكم العظيمة النفع، الجليلة القدر، العزيزة الشأن، التي من أجلها يبتلي الله عباده المؤمنين، ساقها العلامة ابن القيم رحمه الله، وما علينا إلا التسليم لأمر الله، وما خفي عن أذهان البشر، وغاب عن الأفكار، لا شك كان أعظم وأجل.
فائدة: ومن الجدير ذكره في هذا المقام أن يدرك أصحاب الدعوات، أن التمكين للمؤمنين في الأرض لابد أن يسبقه ابتلاء ومحن، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ، وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله أيما أفضل، أن يُمكَّن العبد أَم يبتلى؟ قال: لا يُمكَّن حتى يبتلى.
وفي نفس المعنى يقول الشيخ عبد الله عزام رحمه الله: إن نصر الله لا يتنزل إلا بعد طول البلاء وشدة المحنة، {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب.} ، فالذين ينتظرون أن يتنزل النصر عليهم وراء
(1) - إغاثة اللهفان ج 2 ص 189 - 191.