وأخرج البخاري عن ابن عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله:"عرض الحياة الدنيا"تلك الغنيمة.
واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، والذي عليه الأكثرون، أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط، فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعًا ثم دفن فلم تقبله الأرض، ثم دفن فلم تقبله، ثم دفن ثالثة فلم تقبله، فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب، وقال عليه السلام: إن الأرض لتقبل من هو شر منه.
قال الحسن: أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا. [1]
ولما كان أمر الدماء عظيمًا لا يُقدم عليه إلا بعد التثبت كما أسلفنا، فقد برئ النبي الكريم من فعل خالد بن الوليد يوم أن أرسله إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة وتأويل، هذا مع العلم أن خالدًا هو سيف الله المسلول المسلط على رقاب المشركين.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا. [2]
وفي موقف مماثل أنكر صلى الله عليه وسلم أشد الإنكار على حِبِّه وابن حِبِّه أسامة بن زيد يوم أن أراق دم ذاك المشرك، بعد نطقه بالشهادة متعوذًا كما قال أسامة رضي الله
(1) - انظر كلامه رحمه الله في التفسير ج 5 ص 336 - 337.
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 8 ص 57 - 58.