وقد ذكرت هذه الآية لإثبات صفة المعية، والمعية نوعان؛ معية عامة وهذه لا يختص بها المؤمنون دون غيرهم، معية عامة للمؤمنين والكافرين، وذلك أن الله -جل وعلا- معهم لا يغيبون عنه؛ معهم بعلمه، وعلى مرأى منه، لأن الله قال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
النوع الثاني: معية خاصة؛ معية للمؤمنين تقتضي حفظًا ونصرًا وتأييدًا، فقول الله -جل وعلا- {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أي بنصره وتأييده وحفظه، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك.
وقوله -جل وعلا-: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} افتتح الله هذه الآية بالعلم {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} في إثبات صفة العلم لله -جل وعلا.
وقول الله -جل وعلا- {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} : لا يصح في لغة العرب أن تقول ثلاثة زيد خامسهم، لماذا؟ إلا أن يكون ذلك لله -جل وعلا: إلا هو رابعهم، لكن تقول سادس ستة، سابع سبعة، ثامن ثمانية، أما قوله -جل وعلا-: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} فلأنه ليس من جنسهم، فهم يعبرون بما ليس من جنسهم، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الثاني غير الأول، فإذا أردت أن تقول ذلك، فلابد أن يكون الثاني غير الأول؛ تقول ثلاثة زيد رابعهم، هذا يعني أن زيد ليس منهم، وهذا غلط في لغة العرب، فلا تقول هذا إلا إذا كان الثاني من غير جنس الأول.
قوله: {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} لأنه ليس من جنسهم، {وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} ، فيه إثبات صفة العلم لله -جل وعلا- لأن الله -جل وعلا- قال: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} افتتحها بالعلم وختمها بالعلم، وقد فسَّر الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهما المعية في هذه الآية بأنها معية علمية،
قوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فيه إثبات صفة العلم، فيه إثبات صفة الإحاطة، وفيه إثبات صفة الرؤية، وفيه إثبات البعث وفيه إثبات الحساب، إن خيرًا