مصطفى، تبدأ بالفاعل قبل المفعول لئلا يوهم لبسًا، ولا سيما إذا كان الآخر من الأسماء غير المنصرفة، فقوله -جل وعلا-: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} الله هو المُكلِم، وموسى المُكلَم، وبعض أهل البدع يقول إن موسى هو المُكلِم للرب، فلو كان الأمر كذلك لقيل (وكلم موسى ربه) ، ولذلك حين ناظر بعض أهل البدع أحد أئمة أهل السنة في هذه الآية- قال المبتدع: وكلم اللهَ موسى (بنصب لفظ الجلالة) رغم أن هذا لا يصلح لغة لأن أحدهما مظهر والآخر مقصور، فلابد أن يكون هذا مقدمًا على هذا.
إلا أن هذا العالم انتقل به من حجة إلى حجة قد تكون أظهر وهذا نهج أهل العلم، يؤخذ من ذلك صنيع وعمل إبراهيم، حين قال: {أنا أحيي وأميت} ما قال له أنت كذاب، لأنه حينئذ قد يلبس على البعض، بل يدعه وكذبه، وينتقل معه من حجة إلى حجة لا يستطيع معها الكذب.
{فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ما يستطيع أن يقول أنا أتي بالشمس من المغرب فيقول له أرنا، لكن الإحياء والإماتة قد يأتي بالرجلين يذبح واحدًا ويقي واحد فيقول أحييت واحد وأمت واحد، مع أن هذا كذب وليس هذا هو الإحياء والإماتة، فلذلك قال هذا العالم هب أننى قرأت هذه الآية كما تريد فما تصنع بقول الله -جل وعلا- {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} فبهت هذا الجهمي.
وتخصيص موسى بالتكليم لا يعني أن الله ما كلم غيره، فظاهر النصوص أن الله كلم آدم، وظاهر الأدلة أن الله كلم محمدا ليلة الإسراء وهذا ظاهر القرآن: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} هذا دليل أنه كلم أكثر من نبي، فتخصيص موسى بالتكليم كان كغيره من الأحاديث، كقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ) )لا يعني هذا أنه ليس في الأمة أمين إلا أبا عبيدة، هناك من هو أكثر أمانة من أبي عبيدة كأبي بكر مثلًا، ولكن هذا التخصيص لبيان الفضل ولا يعني نفي ما عداه، فقوله وَكَلَّمَ