اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا لا يعني أن الله لم يكلم غيره، ليس في الآية لا من قريب ولا من بعيد ما يفيد هذا، والأدلة الأخرى صريحة في تكليم الله -جل وعلا- لغير موسى، كقوله {منهم} ما قال منه {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} وهذا ظاهر الأدلة.
وقوله {تكليما} تأكيده بالمصدر دليل على أن الكلام حقيقة، وفيه نفي المجاز؛ فإن العرب تعرف في لغتها أن الكلام حين يأتي تأكيده بالمصدر يُراد من ذلك الحقيقة، وأن الكلام لا يكون مجازًا حيث أكد بالمصدر فإن الله -جل وعلا- كلم موسى حقيقة، وهذا لا يختلف فيه أهل السنة وقد حكى ابن عبد البر وغيره من العلماء الاتفاق على أن الأصل في الكلام الحقيقة دون غيرها، وقد قال في المراقي:
واللفظ محمول على الشرع ... إن لم يكن فمطلق العرف
فلا يجوز الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، أو من الحقيقة اللغوية، أو من الحقيقة العرفية بدون نص أو دليل يكون أرجح، وهذا من القواعد عند أهل السنة، وهذه القاعدة متفق عليها في باب الاعتقاد، وهي أن اللفظ محمولٌ على الحقيقة
وقوله: {منهم من كلم الله} منهم أي من الرسل والأنبياء، فهذا فيه إثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- وأنه كلم أكثر من رسول، وهذا من صفات الكمال لله -جل وعلا.
وقوله: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} فيه إثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- وهذه الآية من أوضح وأقوى الأدلة في إثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- ولا يصلح قراءة الآية (ربَه) ، والسبب في هذا أنه إذا ارتبط بالفعل ضمير لا يكون إلا مفعولًا، ثم ارتبط بالفاعل ضمير يعود على المفعول لا يكون الفاعل إلا هو المرفوع؛ فإن الضمير في {ربه} الهاء في {ربه} تعود على موسى (رب موسى) ،