يعصي الله إلا لضعف إيمانه بالغيب؛ والدليل على هذا أنه لا يزني زان وهو يزني بحضرة أبيه أو بحضرة صديقه، ولكن حين ينفرد قد يفعل، والله يراه، ويشاهده، ويبصره، وهذا دليل على ضعف إيمانه بالغيب، فمقتضى الإيمان بأن الله معك حيثما كنت أن يبعث هذا على الورع والخشية والتقوى، قال الله -جل وعلا- {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} لا ترهب من مخلوق فإن المخلوق لن يغني عنك من الله شيئًا، اتق الله حيثما كنت، قل آمنت بالله ثم استقم، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه عليك، رفعت الأقلام وجَفت الصحف.
فقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا ) )إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، (( فإن أحدكم إذا قام للصلاة ) )فريضة أو نافلة (( فلا يبصقن ) ) (( لا ) )ناهية، والأصل في النهي أن يكون للتحريم، والبصاق هو التفل، (( قبل وجهه ) )فيحرم على المصلي أن يبصق أو يتفل قبل وجهه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا، فما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد ما يخرج النهي عن ظاهره فإنه للتحريم، قوله: (( ولا عن يمينه ) )أي ويحرم البصاق عن اليمين.
وهذا الحكم مقيد بالصلاة بقول طائفة من العلماء، وذهب آخرون إلى أن هذا لا يختص بالصلاة، وهذا مذهب طائفة من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من تفل تجاه القبلة جاء تفلُه بين عينيه يوم القيامة ) )صححه بن خزيمة، ولما روى أبو داود في سننه من حديث السائب: أن رجلًا بصق تجاه القبلة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا يصلي بكم هذا ) )، فحين حضرت الصلاة تقدم ليصلي بهم، فمنعه قومه، وأخبروه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منعه من الإمامة، وحين قضيت الصلاة ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إنك آذيت الله ورسوله ) )رواه أبو داود وغيره.
فهذا والذي قبله في باب منع البصاق تجاه القبلة في صلاة أو غيرها، وهذا أحوط وأبرأ للذمة، فإن الأورع الذي يخرج من خلافهم ولو ضعيفًا فاستبنِ.