فأهل السنة وسط بين هؤلاء المعطلة الذين لا يثبتون لله اسمًا ولا صفة وينفون عن الله صفة الرحمة، صفة الغضب، صفة المحبة، صفة الكلام، وفي نفس الوقت هم وسط بين هؤلاء وبين المشبهة الذين غلوا في الإثبات؛ فكان الواحد منهم يقول يدٌ كيدي وسمع كسمعي وبصر كبصري، وقد صاح أهل السنة بهؤلاء كما صاحوا بالذين من قبل.
وقد تحدث الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في مختصر الصواعق وغيره من كتبه عن الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنه حين قرأ وكان الله سمعيًا بصيرًا وضع إصبعه على عينه والإصبع الآخر على أذنه ) )قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: يراد من ذلك بيان حقيقة الصفة ونفي المجاز، المشبهة يحتجون بهذا؛ يقولون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار بإصبعه إلى عينه وإلى أذنه، الاتفاق قائم كما ذكره ابن القيم بأن المقصود بيان الحقيقة لأن الله ليس كمثله شيء فلا يقاس بخلقه، {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الكرسي هو موضع قدميه، ولذلك ذهب بعض أهل السنة إلى أن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يشرع لأحد أن يشير بإصبعه، وهذا مذهب أحمد -رحمه الله- فالإمام أحمد روى في مسنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على المنبر {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ثم بسط النبي - صلى الله عليه وسلم - يده وقبضها، ومع ذلك الإمام أحمد لما رأى رجلًا في حلقته قرأ هذه الآية وبسط يده قال له (قطع الله يدك، قطع الله يدك، قطع الله يدك) ؛ قال ذلك ثلاثًا، ثم نهض الإمام أحمد وتركه مع أنه هو راوي الحديث، هذا المذهب الأول في المسألة.
المذهب الثاني: أنه لا حرج من صنيع ذلك على ما جاء في الأحاديث الصحاح دون غيرها، ما لم يترتب عليه ضرر عند العامة أو عند المشبهة أو عند الذين لا يعلمون ولا يعقلون، وهذا قول الأعمش؛ الأعمش ثبت عنه بإسناد صحيح حين روى قوله صلى الله عليه وسلم: (( القلوب بين إصبعين» حرك أصابعه وذكر ذلك عنه الآجري -رحمه الله تعالى- في الشريعة، وروى ذلك عنه ابن ماجة أيضًا في سننه.