واستواءه على عرشه لا ينافي معيته فالله جل وعلا مع الخلق بعلمه الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا أينما كانوا وحيثما حلوا والمعية نوعان: معية علمية فالله جل وعلا مع كل الخلق مؤمنهم وكافرهم يعلمه الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا النوع الثاني معية خاصة تقتضي النصر والحفظ والكلائة والتأييد كما في قول الله جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .
وكما في قول الله جل وعلا: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] وكما في قول الله جل وعلا: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] .
قوله: (يعلم ما هم عاملون) في وصف الله جل وعلا بالعلم فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الطلاق: 12] وأن الله قد أحاط بكل شيء علما.
وهو العليم أحاط علما بالذي ... في الكون من سر ومن إعلان
وبكل شيء علمه سبحانه ... فهو العليم وليس ذا نسيان
كما جمع بين ذلك في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} [الحديد: 4] في إثبات صفة الخلق لله جل وعلا قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] قدم ذكر السموات على الأرض لأن السموات أفضل من الأرض وقد اتفق العلماء على تقديم خلق الأرض على خلق السماء ولكن الدحي كان بعد خلق السموات {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] .
قوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54] أي: من أيام الله لقوله جل وعلا: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] .
قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] وهذا لا يختلف فيه العلماء في إثبات الاستواء؛ وتخصيص الاستواء على العرش فيه دلالة قوية على أن الاستواء غير الاستيلاء لأن الله مستول على كل شيء على الأرض وعلى غيرها فلماذا يخص العرش بالذكر فعلم أن المقصود بالاستواء هو العلو والصعود والارتفاع كما قال ابن