رسله، بمعنى أنهم فيهم إرادات، لا كما تقول طائفة من القدرية بأن العباد مجبورون، أو طائفة أخرى يقولون بأن العبد يخلق فعل نفسه، فانشق عن القدرية الجبرية، يقولون بأن العبد لا قدرة له بمنزلة الشجرة، تصرفها الرياح كما تشاء، لا قدرة له ولا مشيئة له ولا حركة له ولا سكون له، هو يُتَصَرَّفُ فيه بدون اختيار.
طائفة أخرى يردون على هؤلاء يقولون: لا، العبد له كل شيء، حتى إنه يخلق فعل نفسه، وأهل السنة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يقولون بأن العبد له مشيئة وله إرادة وله قدرة، ولكن مشيئته تابعة لمشيئة الله، هذا نص القرآن: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ، قال غير واحد من المفسرين: أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، فالله - جل وعلا - أتاه سمعًا وبصرا ووهبه عقلا يفكر، وهداه، بمعنى بيَّن له طريق الخير وطريق الشر، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها.
وهذا دليل أن له إرادة وله قدرة وله تصرفًا، فهو حين يبحث عن الضلال، وعن الشهوات، والولوج في المحرمات، هو في نفس الوقت يبتعد عن الوقوع من الأماكن الشاهقة، وعن قتل النفس، وعن الجوع، ويتقي الجوع بالطعام، ويتقي الشتاء بالملابس، فهو الذي يؤدي هذه الأمور تحت غطاء القدرة والعقل والفهم، فهو بهذا حجة على فعله وممارسته للمعاصي تحت غطاء أن هذا بقدر، فلماذا لا يكون الأول بقدر؟ ولماذا صار الثاني بقدر:
عند مراد الله تفنى كميِّتٍ ... وعند مراد النفس تُسدي وتلحمُ
وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرًا على الرحمن بالجبر تزعمُ
قوله: فقد أمر العباد بطاعته:
وفي هذا أمور:
-الأمر الأول: فيه إثبات صفة الكلام لله - جل وعلا، لأن الأمر دليل أنه هو المتكلم: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} .