أمر الله بالقسط الذي هو العدل في أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم، وفي كل حياتكم وشؤونكم وشجونكم مع أولادكم ومع زوجاتكم ومع جيرانكم ومع بني جنسكم، ومع من تتفقون معه في ذات المنهج، ومع من تختلفون معه، العدل مطلوب في كل شيء، فلا قرار في العالم إلا بالعدل، به قامت السموات والأرض، قال تعالى: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} لم يقل الله: القاسطين، قال: المقسطين، ففيه إثبات ذات الصفة (المحبة) وذلك في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ}
ولا يختلف أهل السنة في إثبات صفة المحبة لله جل وعلا، وأهل السنة في باب الأسماء والصفات يثبتون الصفة لله إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، ثم يذكرون بعد ذلك أثرها ولوازمها، من لوازم المحبة أن الله يرضى، من لوازم المحبة أن الله يدخل المؤمن ويجازيه بالجنة، ولكن ليس هذا معنى المحبة، فهذا أثر من آثارها وأحد لوازمها، الله يحب المقسطين، كما يحب المحسنين كما تقدم في أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم، والمقسطين في كل شيء، لا يجورون إذا غضبوا، ولا ينتصرون بالباطل حين يقدرون، يعفون ويصفحون ويتجاوزون، الله جل وعلا قال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133 - 136] .
قوله: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} :
الشاهد أن الله يحب المتقين، التقوى فعل المأمور واجتناب المحظور، وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله. فالتقوى فعل الحلال واجتناب الحرام، إلى غير ذلك، وكلها معان متقاربة.