آخر، وهكذا يعذبون إلى غير أمد، ولا يختلف في ذلك العلماء والفقهاء.
والنوع الثاني: الحكم بالخلود دون تأكيده بأبدا، الأول جاء في الكفار، والثاني جاء في عصاة المسلمين قال الله جل وعلا في المؤمنون: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، هذا لا يعني التأبيد ولا يعني الكفر، قال الله جل وعلا في لعنة من قتل مؤمنا {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} وهذا لا يعني أنه كافر لأنه لم يقل أبدا.
فالذين يريقون دماء المسلمين بغير حق معرضون للوعيد الشديد، ولا يحكم عليهم بأعيانهم لأنهم في النار، لأن الذي لا يختلف فيه أهل السنة والجماعة أنهم لا يحكمون على أهل الكبائر لا بجنة ولا نار، بل لا يحكمون على المسلمين لا بجنة ولا بنار، ولكنهم يرجون للمحسنين ويخافون على المسيئين، ويقولون في مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: {لا يدخل الجنة قاطع رحم} ، ونحو ذلك أن هذا من نصوص الوعيد، ويقولون بأن الله جل وعلا لا يخلف وعده ولكن قد يخلف وعيده؛ لأن إخلاف الوعيد صفة كمال بخلاف إخلاف الوعد.
قوله: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} هل الشاهد من ذكر هذه الآية في هذا الباب إثبات أن الله جل وعلا يغضب ويلعن، يغضب على من يستحق الغضب ويلعن من يستحق اللعن ويستوجبه، قال الله جل وعلا: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} فالغضب صفة كمال لله جل وعلا، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يروي عن ربه: {إن رحمتي سبقت غضبي} ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: {إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله، ولن يغضب بعده} وغير ذلك من الأحاديث المتواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إثبات صفة الغضب، فالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتردية وغيرهم، ينكرون صفة الغضب ولا يثبتون ذلك لله، ويرون أن إثبات هذه الصفة يعني تماثل صفات الخالق بالمخلوق، وتقدم مرارا بأن هؤلاء يشبهون أولا ثم يعطلون ثانيا ثم يشبهون ثالثا، فالذي حدى بهم إلى إنكار صفة الغضب هو التشبيه المستقر في قلوبهم، والإلحاد المتمكن من أدمغتهم، حين نتحدث عن الإلحاد في باب الأسماء والصفات نقصد الميل دائما، ليس هو الإلحاد بمعناه الشمولي الذي هو إنكار وجود الخالق، أو