الأمر الثاني: أن المجاز لم يكن له أصل في كلام الله ولا كلام رسوله، ولم يكن معروفًا في القرون المفضلة، وقد حدث بعد ذلك ويعبرون عنه بمعنيين؛ الأول ما أمكن نفيه، الثاني هو ما ليس له حقيقة، وله أكثر من معنى أيضًا عند من يقولون بالمجاز.
الأمر الثالث: أن الله - جل وعلا - أخبر عن مجيئه في أكثر من آية وهذا يتعذر معه المجاز فحين تخبر عن شخص تقول قدم زيد ثم بعد قليل تقول جاء زيد ثم بعد قليل تقول أقبل زيد، هل يتأتى المجاز في ذلك؟ أنت تخبر عن مجيئه في ثلاثة مواضع بألفاظ مترادفة؛ تقول جاء زيدٌ، أقبل زيد، أتى زيد، يتعذر المجاز في هذه الحالة؛ لأن هذا تأكيد لهذا وهذا تأكيد لهذا، لكن لو جاء في موضع واحد لربما احتمل - مع أنه باطل في باب الأسماء والصفات - فحينما يأتي في أكثر من آية ولا سيما حين يقرن الله - جل وعلا - مجيء الملائكة ومجيء الآيات بمجيئه، فهذا يبطل كل قول وكل دعوى في المجاز، فإن الله جل وعلا يقول: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ} وقول الله - جل وعلا - {وجاء ربك والملك صفًا صفًا} فأخبر الله - جل وعلا - عن مجيئه وعن مجيء الملائكة، ولم يختلف الصحابة والتابعون والأئمة المتبوعون في أن المعنى في قول الله - جل وعلا - {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} أي لفصل القضاء يوم القيامة.
قوله {وَالْمَلَائِكَة} فيه إثبات الملائكة؛ فالمؤمنون يثبتون ذلك، ويؤمنون بأن لله ملائكة؛ يثبتون ذلك إجمالًا بالإجمال وتفصيلًا بالتفصيل، {كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} ، فمن الإجمال حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - «هذاالبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون يختص الإيمان بجبريل وميكائيل وإسرافيل، وغيره من المسمين في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - {أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة عام} رواه أبو داود وغيره.